مـن أدب السلطان

الشروق

الثلاثاء 7 ديسمبر 2010 - 10:07 ص

يخاف بعض الحكام الاستماع إلى شعوبهم، والأمر يبدو عندهم مسألة مبدأ فالظن عندهم أنهم إذا سمعوا، أو استشاروا، أو حاوروا، أو قايضوا مع الداخل فقدوا هيبتهم وربوا شعوبهم على الطمع فيهم والاستهانة بهم والخروج عليهم. وقديماً قيل إن قربت من السلطان فإياك والدالة عليه، فهلاك الرجال أن يظنوا أن لهم دالة على السلطان، والدالة فى اللغة كالخاطر فى الدارجة المصرية والمَوْنَة فى الدارجة الشامية، أى أن يكون لرجل حظوة عند السلطان فيتصرف بناء على افتراض أن السلطان يرعى له حقه.

وفى آداب مخاطبة السلاطين القديمة أيضاً، أنك ما أسديت للسلطان معروفاً إلا كرهك من أجله وربما عاقبك عليه، لأن السلاطين لا يحبون أن يكون لأحد دين عليهم يطالبهم به أو يؤاخذهم فيه. فالسلاطين أخطر على حلفائهم وأصدقائهم والمتعاونين معهم منهم على أعدائهم. لا يريد السلطان حلفاء أو أصدقاء لأن للحليف وللصديق حقاً والسلطان لا حق عليه، أو هكذا يشتهى أن يكون. إنما يسر السلطان أن يكون له عبيد، فهو عندها الكريم المغدق يفعلها لكرمه وهواه لا أن عليه حقاً يؤديه أو جميلاً يرده


والكلام هنا على ما صنعته الحكومة المصرية الرشيدة السعيدة المديدة الليالى بالمواطنين المصريين المسيحيين فى حى الهرم، ثم ما فعلته بحزب الوفد فى الانتخابات. لقد عشت أكثر عمرى فى مصر، ولم أعرف فى مصر إلا صبوراً، بل إن من عرفت بمصر أصبر أهل بلد عرفتهم، ونصيب مسيحيى مصر من الصبر نصيب المسلمين ثم يزيد عليه أنهم كانوا فى بعض العهود يؤخذون بما لا يفعلون بل بما يفعله مسيحيون آخرون من الفرنجة والرومان . 

وربما لأننى دائم المقارنة بحكم الدراسة بين مصر والشام، أرى أهل مصر من المسيحيين قوماً أكرمين، لم يتحالفوا مع الاستعمار الفرنسى ولا البريطانى ولا الإسرائيلي، بل لم يتحالفوا مع الصليبيين وقد وردوا مصر مراراً، ولم يكن بينهم بشير جميل ولا سمير جعجع ولا أنطوان لحد ولا سعد حداد، ولم يثنهم عن هذا الاتجاه فتنة طائفية أو قرار بعزل البابا أو خط همايونى أو مملوك يفترى عليهم ويجور. والكنيسة المصرية بالتحديد، الممثل الشرعى والوحيد للأقباط، مواقفها الوطنية فى كل أزمة مشهود لها من القاصى والداني، لم يستقبلوا الحاخامات الذين استقبلهم بعض المسلمين منا والناطقين باسمنا، وحين ذهب رئيس مؤمن إلى القدس معترفاً بحق الإسرائيليين فى عكا وحيفا والناصرة، لم يذهبوا ساسة ولا حجيجاً، والكنيسة المصرية هى السد الذى يقف بين شعبهاوبين بعض الأدعياء الوقحين من أهل المهجر الذين كادوا يشكلون طبعة مصرية من جيش لبنان الجنوبى حليف إسرائيل.

إلا أن هذه الكنيسة أيضاً لم تشكل يوماً تهديداً لأى حكومة مصرية جيدة كانت أو سيئة، وربما كان خوف بعض المسيحيين من بديل إسلامى للحكم الحالى يدفعهم لمساندة الحزب الوطني، وربما توقع البعض، ولا لوم عليه إن فعل، أن يرد الحزب الوطنى وحكومته الرشيدة الجميل فيكفوا الأذى عن المسيحيين أو أن يعطوهم بعضاً مما يريدون. إلا أن القاعدة السابقة الآتية من العصور الوسطى فعلت فعلها، فقد انقلب السلطان على حلفائه بالضبط فى اللحظة التى كانوا يظنون أنه يحتاجهم فيها ليؤكد قوته واستغناءه، وإن ما حدث من عنف ضد المسيحيين وظلم لهم فى الهرم لا تفسير له غير هذا.

ثم كان ما كان من أمر حزب الوفد وما صنعت الحكومة به. فقبل الانتخابات ظهر هذا الحزب وكأنه حليف الحكومة الأهم، فالإخوان دخلوا الانتخابات عالمين أنهم مبعدون عنها وأن الوفد سيملأ مقاعدهم، لكى تبدو الحكومة الجديدة متعددة الألوان، بين الليبرالى الجديد والليبرالى المتجدد، أو بين الفرعون والفرعونى، فتكون حكومة ثلج ماء، متحدة الحال مفترقة الأسماء. 

وتوقع الوفد الأمر ذاته، فالحكومة تحتاجه، تحتاج معارضة لا تعارض، ومختلفاً لا يخالف، إلا أن هذا التوقع نفسه ربما أدى بالحكومة الرشيدة أن تنقلب على حليفها لكى لا يظن أنها تحتاجه، ولكى لا يظن أحد أنها تحتاج أحداً أصلاً ولا فرعاً. وقد وصلت الرسالة أنهم سيحكمون مصر وحدهم وعلى المتضرر أن يتركها ويرحل أو يموت بغيظه. 

وربما لو كان السلطان هادئ البال مرتاحاً إلى تمكن الأهل والآل، وأن لهم من بعده المآل، لما أتى هذه الأفعال، ولما قلب ظهر المجن للقوم، سواء لمن صحبه اختياراً كحزب الوفد أو لمن صبر عليه اضطراراً وأغضى على المر منه مراراً وتكراراً كإخوتنا المسيحيين. 

وتحسن المعارضة المصرية صنعاً، وعمادها الإخوان المسلمون وجمعية التغيير والدكتور البرادعي، إن مدت يداً لهم جميعاً، ويحسن من المسلمين والمسيحيين الذين وقعوا من فترة فى فتنة أضرت بهم أن يعرفوا أن المستفيد الوحيد من تفرقهم هو هذه الحكومة الرشيدة التى باتت توزع الظلم بالقسطاس على كل الناس لا تفرق بين مسلم ومسيحى وشيوعى وليبرالى وقومى وانعزالى بل لا تفرق بين خصمها وحليفها. وإن فى العالم العربى، بل وفى الشام تحديداً، تجارب لتحالفات بين إسلاميين ومسيحيين عادت بالخير على الطرفين، فإن صح هذا الحلف مع مسيحيى لبنان وللبنان ما له من تاريخ، فهو أن يصح مع مسيحيى مصر أولى.

وبعد فإن اللطيف فى الحالات التى ينقلب فيها السلطان على حلفائه هو أن داءه من ذاك يستمر به حتى يبقى وحده تماماً. فإن حكام البلاد اليوم حلف من بعض رجال الأعمال وبعض المستأجرين لهم من سكان العشوائيات يعملون بلطجية لدى الحكومة، وكل ما بينهما من الطبقة الوسطى المصرية فهو فى طريقه إلى الانقراض، قلة منهم تصعد فتكون من رجال الأعمال، والأغلبية العظمى تهبط فتعيش عيشة عشوائية وإن بقيت فى بيوتها، لكن هذا الحلف الذى يزيد فيه عدد العشوائيين على عدد رجال الأعمال باطراد لا بد وأن يصل إلى نقطة يراجع عندها كل من فريقيه حاجته للآخر ثم يملى شروطه، ولأن أهل السلطان المباشر هم من رجال الأعمال فالظن أنهم سيضربون حليفهم الذى يعتمدون عليه لأنهم يعتمدون عليه، ولكن لن يجدوا يداً ليضربوا بها، إلا أن تراهم بستراتهم الأنيقة، ونظاراتهم الشمسية (لا أدرى من أغراهم بها إلى هذا الحد) يركضون وراء الناس فى ميدان التحرير يضربونهم بالهراوات. فإذا انحلت العروة بينهم وبين حاملى الهروات باسمهم، فقراء البلاد الذين يفقرون أنفسهم بطاعة أغنيائها، فهى الفوضى الكبرى فإن وجد لها رجل أو جماعة أو حزب يوجهها فربما، أقول ربما، يفرجها علينا وعلى سائر الأمة الرحمن، ويرحم الودعاء من عذاب الرومان

اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=07122010&id=b42fabbc-43db-4779-88e1-421cfdd2d4a7