النصر وحمايته

الشروق

الثلاثاء 15 مارس 2011 - 9:32 ص

 

 لأسباب أخبرت بأنها تقنية غبت عن قراء هذه الجريدة الكريمة فى الشهرين الماضيين، وهما ما هما فى تاريخ البلاد ولن تحيط بهما هذه السطور، ولكن رب ضارة نافعة، فالبعد الزمنى يتيح للمرء أن يرى الأحداث فى سياقها الأوسع، فيتأكد ما كان يظنه فى أمرها أو ينتفى. كما أن البحث فى طبيعة الثورة المصرية ربما يساعدنا فى تحديد مواقفنا من الخيارات السياسية المطروحة على الثوار اليوم وقد بدا بينهم خلاف عسى أن ينتهى سريعا.

لقد قامت ثورة فى مصر يجوز إن حفظت وحميت أن توضع فى مصاف الثورات الفرنسية والروسية والإيرانية، فتحمل معها مفهوما غير مسبوق للتنظيم الإنسانى والاجتماعى، وكما أدت هذه الثورات الثلاث إلى تأسيس نماذج الجمهورية والاشتراكية والإسلام السياسى فى العصر الحديث فإن للثورة المصرية نموذجها الذى لم يزل فى طور التشكل، ونحن وإن كنا لا نستطيع أن نصطلح على اسم له، إلا أننا نستطيع أن نحدد بعض ملامحه.

لقد قامت هذه الثورة بلا قيادة منظمة وكانت مع ذلك أكثر تنظيما من الثورات الثلاث المذكورة سابقا، وقد ارتجل المصريون المعتصمون فى ميدان التحرير بالقاهرة عقدا اجتماعيا شاملا ودولة كاملة الأوصاف حدودها من المتحف المصرى إلى مجمع التحرير ومن النيل إلى شارع طلعت حرب فى أسبوعين. لم تكن للمعتصمين قيادة معروفة الوجوه والأسماء، ولكنهم كانوا يتصرفون وكأنهم كيان واحد، كانوا يتبعون الفكرة لا صاحبها، فإن طرح رأى فى الميدان استحسنته أغلبية الناس أو استقبحته ثم تكاد تتحول الأغلبية فورا إلى إجماع ويتخذ القرار، لقد كان الميدان يقود نفسه، أعنى أن كل إنسان فيه كان قائدا ومقودا فى نفس اللحظة، وهذه الآلية لاتخاذ القرار، أو الحكم، لم تخرج من كتاب نظرى أو خطبة لزعيم ملهم، بل كانت رد الفعل الطبيعى للناس، يراها الرائى بديهية، وإن حللها المفكر السياسى خرجت إليه ما بعد حداثية، فالناس لا ينوب عنهم نائب، ولا بنية أو مؤسسة تختصرهم، بل هم الشعب والحكومة. 

هذا والعدد المعتصم فى التحرير بلغ الملايين فزاد فى بعض الأيام على شعوب دول قائمة ومستقلة نعرفها، ففى الميدان شعب كامل حقا لا مجازا، ارتجل نظما للصحة والاتصال والإعلام والتموين ونظَّم دفاعه يوم هجوم الجمال، ووضع سياسته الخارجية ضد مؤسسة أخرى تدعى لنفسها صفة الدولة يرأسها رجل يدعى حسنى مبارك وانتصر عليها. إن أربعة ملايين أو ثلاثة أو اثنين مجتمعين فى مكان واحد ليسوا مضطرين إلى مفاوضة أحد على شيء ولا معنى إلا فى أن يطلبوا الحد الأقصى بل وأقصى من الحد الأقصى. وقد قلت يومها إنهم لو طلبوا قبة الصخرة أتتهم فما بالكم بقصر القبة. ولم يكن الوضع خارج جمهورية التحرير مختلفا عن الوضع داخلها، فالمظاهرات امتدت فى مصر كلها، وكانت موجهة ضد الشرطة، ولما كان الناس متحدين فإنهم لم يكونوا خطرا على أنفسهم، فانعدمت الجريمة فى صفوف الثوار، ومر على مصر وقت كانت الشرطة هى المصدر الوحيد للجريمة فى البلد، وكانت الدولة الرسمية تدفع أموالا ورشى للناس ليكونوا لصوصا وقتلة. لقد حول الثوار خوفهم إلى أمن، بينما كان أمن الدولة خوف المواطنين، ومؤسسة الأمن فى مصر هى المصدر الوحيد للرعب.

أقول هذا للتأكيد على ثقة الناس بأنفسهم، وأن كل خطاب قائل بأن البلد قد تنحدر للفوضى ولا كبير لها واهم، فكبيرها الناس ما وثقوا بأنفسهم وأمن كل واحد منهم الآخر. واليوم اختلف الثوار على أمر التعديلات الدستورية، فمنهم من يرى أن مجلس الشعب أولى بالتكوين، ومنهم من يرى تأجيله وتسليم البلاد إما إلى رئيس منتخب أو إلى مجلس رئاسى أو إلى جمعية تأسيسية تكتب دستورا جديدا تجرى الانتخابات بمقتضاه مع بقاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى الحكم حتى يتم ذلك. أما جماعة الإخوان المسلمين فواثقون من قدراتهم التنظيمية ويميلون للخيار الأول، وأما بعض الليبراليين والمستقلين فيميلون إلى الخيار الثانى، وكأن على المصريين أن يختاروا بين الإخوان والبرادعى مثلا، وكأن الحلف الذى كان بينهما قبل الثورة انحل. وانحلال الأحلاف قبل انحلال جهاز أمن الدولة والحزب الوطنى لا خير فيه وربما كانت نتيجته استضعاف العدو لطرف فيه والانقضاض عليه.والاستفتاء على الدستور بعد أيام فلن يفلح هذا المقال أو غيره فى تغيير نتيجته، ولذلك فقولى هنا يجوز فى حال قبول التعديلات وفى حال رفضها، فى حال قام الاستفتاء أو أجل، وهو قول مبنى على فهمى السابق لإنجاز الثورة المصرية والكيفية التى تم بها هذا الإنجاز. وقد كان يمكن أن يتجاوز المرء عن هذا الخلاف وأن يعتبره خلافا صحيا فى إطار حياة سياسية حرة، لولا ما حدث فى ميدان التحرير منذ أيام من هجوم على المعتصمين وتعذيبهم، ولولا ما جرى بين بعض الثوار الكرام من شك واتهام قد يهدد الثورة وما قامت من أجله.

لذلك أحب أن أذكر أن الخلاف على التعديلات إنما هو خلاف على الوسائل لا على الغايات، فغاية الثوار جميعا إسلاميين كانوا أو قوميين أو يساريين أو ليبراليين، شبابا كانوا أو كهولا، هى إقامة جمهورية تزيد فيها سلطة البرلمان وتنخفض فيها سلطات الرئيس أو تنعدم، فإن بقيت له سلطة شاركه فيها مجلس الشعب فلا يبرم أمرا بدونه أو يكون رئيسا رمزيا للمراسم، وتكون السلطة فى يد رئيس الوزراء المسؤول أمام مجلس الشعب مسؤولية مباشرة، والجميع يهدف إلى استقلال القضاء، والجميع يهدف إلى حرية الانتخابات والجميع يهدف إلى إلغاء طريقة الحزب الوطنى فى العمل بل وإلى إلغاء الحزب الوطنى من أساسه ومصادرة أمواله ومحاكمة فاسديه ونحن نعلم أن أحدا من أعضائه لم يسلم من الفساد.

لذلك فمن أراد قبول التعديلات يحسن أن يعطى القوى السياسية الأخرى الضمانات أن مجلس الشعب المنبنى عليها يكون له هدف وحيد وهو انتخاب جمعية تأسيسية تكتب لمصر دستورا جديدا يخفض صلاحيات الرئيس أو يلغيها، وبديهى أن ينحل المجلس بمجرد إقرار الدستور الجديد لأنه مجلس قائم على دستور قديم يكون عندها لاغيا حكما. ومن هذه الضمانات التى يحسن بمؤيد التعديلات أن يعطيها لرافضها هو أن يحميه ويقف بجانبه إن تعرض للهجوم أو التعذيب. لقد قامت هذه الثورة أصلا ضد التعذيب، وضد عرض المدنيين على محاكم عسكرية، وإن كانت عقوبة البلطجة قد شددت فلا بد أيضا من تشديد عقوبة التعذيب، ومن المؤلم أن من عذبوا عذبوا فى المتحف المصرى، وهو مكان له فى قلوب المصريين جميعا ما له، والثورات تقوم لتتحول السجون إلى متاحف لا لتتحول المتاحف إلى سجون. فالمطالبة بالإفراج عن المعتقلين والتحقيق فى حوادث التعذيب يؤكد على روح الوحدة والتضامن بين الناس التى قامت عليها الثورة المصرية ونجحت بسببها.

أما رافضو التعديلات فيحسن بهم أن لا يبخسوا الناس حقوقهم، وأن لا يعودوا إلى الخوف من جماعة الإخوان المسلمين، فالجماعة لم تصل إلى قدراتها التنظيمية هذه وشعبيتها الكبيرة من فراغ، لقد دفع القوم ثمنها غاليا لثمانين عاما أو يزيد، فهم على ذلك أطول المصريين معارضة لنظم الحكم المتوالية وهى نظم لم تكن رقيقة كما تعلم. وقد أنشئت الجماعة والأغلبية فى السياسة المصرية وفدية ليبرالية، وعاشت فترة والأغلبية قومية اشتراكية، فإن أرادوا اليوم أن يعبر النظام السياسى عن حجمهم فى المجتمع فلا عيب عليهم، ثم هم متحالفون مع كل القوى الأخرى والتزموا بأن يؤيدوها فى الانتخابات، وقد شاركوا فى هذه الثورة مشاركة كبرى ليست محل خلاف، ودورهم فى حماية الميدان يوم هجوم البغال والجمال عليه لا ينكره الناس ولن تقوم فى مصر حياة سياسية بدون أن يكون لهم دور رئيسى فيها، إن كانوا هم خوف إسرائيل الأول فأولى بنا أن نأمنهم نحن. ولا يمكن أن يعاقب القوم على شعبيتهم. وعليه فإن إعطاء الضمانات على أن انتخاب الرئيس أو الجمعية التأسيسية قبل البرلمان لا يهدف إلى تحييدهم أو تقييدهم، مهم لبقاء الثقة التى قامت الثورة بمقتضاها. 

ثم يحسن بكلا الطرفين المطالبة الفورية بحل الحزب الوطنى والتحفظ على أمواله ومنع من كان عضوا فيه من الترشح للانتخابات على غرار ما حصل للحزب النازى فى ألمانيا والفاشى فى إيطاليا، وقبل حل الحزب ينبغى حل جهاز أمن الدولة بكامله ولا حجة فى القول بأن منتسبيه سيهاجمون المجتمع ويتحولون إلى ميليشيات، إن الناس لم يخافوا من الجهاز وهو فى السلطة وقاموا بثورة عليه حتى دخلوا عليه بيته وغرفة نومه وعرفوا ألوان برانسه كما كان يدخل هو عليهم بيوتهم، أفيخافونه وهو مطرود مهزوم مفضوح مضروب به المثل فى كل قبح؟ إن فى البلد سجونا لم تستخدم قط فيما وضعت له، فقد حوت من الضحايا أكثر بكثير مما حوت من المجرمين وقد آن أوان اعتدال الوضع المقلوب. فإن انتفى تهديد عودة الحزب الوطنى إلى الحياة السياسية وأمن كل من الإسلاميين والليبراليين أخاه فإن أى نتيجة للاستفتاء لن تؤدى للانقسام، والعكس بالعكس.

وختاما، إن لهذه الثورة نتائج أخرى على البلد والإقليم والعالم، تستحق بحثا مطولا، فقد كان أهل الميدان مجمعين على أن لا حليف لهم فى أمريكا وإسرائيل، فإن بقى هذا الموقف ولم يغيره أحد خوفا ولا طمعا ولا اختلف الناس عليه، وإن لم يكن هو السبب الخفى وراء الخلاف الحالى، أعدكم أن العالم كله سيتغير إلى غير رجعة، ولن يطول بنا الزمن قبل أن نفتح الكلام فى هذا الباب.

 

 

 

 

 

 



اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=15032011&id=ac2d4277-c758-4315-9826-08b1401275ff