خفيفة الأثر ثقيلة الظل

الشروق

الثلاثاء 12 أبريل 2011 - 9:43 ص

تنتمى ثورات العالم العربى لسلسلة طويلة من الصراع بين اهل هذه البلاد والاستعمار. وهى ليست ثورات ضد الحكومات فقط بل هى ثورات ضد بنية الدولة الحديثة التى اقامها الاستعمار فى بلادنا. وربما يأتى يوم لا نحتاج فيه إلى الدولة أصلا بأمنها وجيشها وبيروقراطياتها.


أن المهمة الأولى لكل جيش غزو واحتلال هى الامن لحماية نفسه وأعوانه. ولكن الجيش الغازى ليس قوة شرطة، وتحويله إلى قوة شرطة مكلف جدا ماديا وسياسيا. ذلك ان الفرق الرئيسى بين الجيش والشرطة هو ان الشرطى يعتمد على قبول المجتمع له واعترافه بسلطته لان المفترض انه يعمل بين اهله ولمصالحهم. لذلك جرت العادة ان يكون الشرطى خفيف التسليح غير مدرع. اما الجيش فالمفترض انه يعمل خارج الحدود بين اعدائه لا بين اهله ولذلك ترى الجنود مدرعين مدججين بالسلاح. ولكى يكون جيش الاحتلال مقبولا بين الاهالى كان لا بد له من البحث عن اناس منهم يقبلون العمل معه على حفظ امنه وحماية مصالحه، وهؤلاء هم الذين يسلمهم الغازى مسؤولية ادارة البلاد داخليا وربما منحهم القابا تشى بالسيادة وهى ليست من السيادة فى شيء.

هؤلاء هم النخبة السياسية التى يصنعها الاستعمار والتى تكون نواة للدول الحديثة فى بلدان العرب.
وقد تطورت أجهزة الأمن فى هذه فى البلاد الواقعة تحت الاستعمار لتكون نواة للدولة الحديثة والتى بنيت وولدت من رحم الاحتلال مقيدة بقيود ثلاثة هى التبعية الاقتصادية والضعف العسكرى والالتزام بقانون دولى لا يتيح لها ان تغير حدودها بما يتوافق مع الطبيعة الديمغرافية لمناطقها. لقد خلق لنا الاستعمار سجنا ثم منحنا الحرية فى فنائه. اما نحن فقد كنا نقاوم هذا الغزو من يومه الاول وقد مرت مقاومتنا له بثلاث مراحل.

●●●


أما المرحلة الأولى فكانت قبولا منا بالدولة الحديثة وبالمؤسسات التى قال لنا الغزاة انها تمثلنا والاجهزة التابعة لها فقبلنا ان يرسم لنا الاستعمار حدودا فرضها علينا بالقوة العسكرية كما حصل لمصر فى اتفاقية لندن عام الف وثمانمائة واربعين حيث بترت عنها بلاد الشام ولم يستشر فى ذلك اهل مصر ولا اهل الشام وكما حصل للمشرق العربى كله بمعاهدة سايكس بيكو بعد الحرب العالمية الاولى وكما يحدث الان للفلسطينيين حيث يعاد تعريف خريطة بلادهم من فلسطين التاريخية إلى الضفة الغربية وغزة.
اقول كانت المرحلة الاولى قبول نخبنا الاهلية بهذه الدول على امل ان الخلاص يكمن فى الحداثة وان الاستقلال عن الغزاة يكمن فى التعلم منهم وتقليد مؤسساتهم. فأردنا ان نبنى فى مصر ملكية دستورية على غرار بريطانيا العظمى وفى لبنان اراد الناس جمهورية ليبرالية على غرار فرنسا وهلم جرا. وقد فشلت هذه التجارب فشلا ذريعا فى حرب فلسطين عام ثمانية واربعين.

●●●


أما المرحلة الثانية فجاءت أيام الحرب الباردة حيث بدا لنخبنا ومثقفينا الوطنيين ان الاشتراكية حداثة بديلة غير استعمارية وان الفشل الذى منيت به الدول الحديثة العربية التى اقامها لنا الاستعمار فى اوائل القرن العشرين لم يكن كامنا فى بنيتها من حيث هى دول فاقدة للشرعية ضعيفة الحدود بل هو فشل سببته انماط انتاجها الراسمالية وان الاقتصاد الاشتراكى والملكية العامة لوسائل الانتاج كافيان للحصول على فوائض مالية وبناء قواعد صناعية تسمح بتطوير القدرات القتالية اللازمة لاستقلال القرار السياسى. لكن هذه النخب لم تلبث ان اكتشفت ان الاقتصاد الاشتراكى يحتاج سوقا مغلقة محمية من منافسة السلع الاجنبية وان الاسواق المحلية للدول العربية صغيرة بحيث لا تسمح بنمو صناعات ثقيلة اذا اغلقت على نفسها وان البديل هو خلق سوق عربية موحدة كبرى.

لكن خلق سوق كهذه كان يعنى التوسع السياسى للدول العربية الاشتراكية وهذا لا تقدر عليه الدولة الحديثة الا اذا تحدت الدول الاستعمارية الكبرى والقانون الدولى. اى ان الدول العربية تجد نفسها فى المواجهة وهى بعد لم تزل تحضر للمواجهة. وقد قرر بعض القادة العرب ان يعتمدوا على التحالف مع الاتحاد السوفييتى لتامين الحاجات الدفاعية ريثما يشتد عود الصناعات الثقيلة فى بلادهم لكن هذا المنهج ادى إلى ارتهان النصرالعربى والهزيمة العربية بالارادة السياسية للجهة التى تسلحنا. وفى الموضوع الإسرائيلى تحديدا لم يكن اى من القوتين العظميين قابلا بزوال دولة اسرائيل. انتهت هذه المرحلة اذن بهزيمة عام سبعة وستين، لتبدا المرحلة الثالثة.

●●●


فمنذ ذلك التاريخ والعرب يحاولون بالتدريج أن يديروا احتياجاتهم الحياتية بعيدا عن الدولة الحديثة.فازداد نفوذ التيارات الاسلامية والمنظمات الشعبية التى تقاتل خارج الجيش وتعالج خارج وزارة الصحة وتمون خارج وزارة التموين وتدرس خارج الجامعات. لقد ظهرت فى بلادنا دول داخل الدول هى خير منها كفاءة وابعد اثرا واكثر شرعية بين الناس. وقد نجح الناس غير المؤطرين فى برواز الدولة الحديثة فى القيام بوظيفة الدولة الاولى وهى الدفاع. فانتصر العراقيون لا الجيش العراقى على الامريكيين وانتصر حزب الله فى لبنان لا الجيش اللبنانى على اسرائيل. 

وحين قامت الثورات العربية فى تونس ومصر لم يقدها حزب يسعى لحكم الدولة ولا نظم الناس انفسهم فى بيروقراطيات بديلة تشبه الدولة بل قاموا بوظائف الدولة من غير ان يقيموا لها بنية ومؤسسة تطغى عليهم. وقد قلت ان المصريين فى ميدان التحرير نظموا تموينا ودفاعا وصحة وامنا دون شرطة ودون جيش ودون وزارات. لقد كانت ثورة على الدولة الحديثة من حيث كونها وسيلة لتنظيم الجماعات البشرية بقدر ما كانت ثورة على الحكومة. ولأنها ثورة الوطن على الدولة فقد كانت ثورة الوطن على من أنشأ الدولة أى الغزاة، القدامى منهم والجدد.

هذه الكيانات الشعبية البديلة فى الميادين التى لا بنى لها ولا اجسام ليست مقيدة بقيود الدولة الحديثة الثلاثة من تبعية اقتصادية وانكشاف عسكرى وقانون دولى وهى لم تقم على تعاون ما بين نخب اهلية وقوة استعمارية كما كان الحال فى الدول العربية الحديثة. لذلك يخطئ فى مصر اليوم من يظن ان الشعب فقير اليه لأنه يلبس زيا رسميا من اى نوع بل هو الفقير الى
الناس. ولتعلم كل دولة فى المنطقة أنها مهما قتلت تبقى خفيفة الأثر ثقيلة الظل وأن لكل صبر حدودا حقيقية أكثر من حدودها المصطنعة.

اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=12042011&id=6df60db2-ee9c-48ce-929c-ca8e1dc13d84