عن الفتنة الطائفية مرة أخرى

الشروق

الثلاثاء 10 مايو 2011 - 8:45 ص

 

هى حيلة الفتنة الطائفية مرة أخرى، ومرة أخرى ستفشل وسنخرج منها أقوى مما دخلنا. الكلام اليوم عن مصر وكان أمس عن سوريا، وكان قبلها عن لبنان وقبل لبنان عن العراق. فى كل هذه البلدان تعرضت الولايات المتحدة وحلفاؤها لهزائم فلجأت للفتنة الطائفية مخرجا. فى مصر خرج مبارك مهزوما وفى سوريا سياسة خارجية داعمة للمقاومة فى لبنان وفى فلسطين، وفى لبنان مقاومة نبيلة منتصرة هى الأكفأ فى تاريخ العرب الحديث، وفى العراق دخلت الولايات المتحدة قوة عظمى وخرجت دولة كثيرة الديون قليلة الحيلة. 

 

●●●

 


وإن كان العدو استخدم فى تأجيجه فتن الهلال الخصيب خلافات دموية على الحكم بين أقليات وأغلبيات ثم خاب كيده ، فكيف يمكن أن لا يخيب كيده وهو يريد أن يوقع بين الناس فى مصر بسبب امرأة خرجت من بيتها ثم عادت. إن الشعب المصرى الذى ارتجل دولة كاملة لثمانية عشر يوما فى الشوارع والميادين وأبدى من الوعى السياسى ما يجتهد علماء النظرية السياسية فى وصفه قبل شرحه، لن توقعه فى الفتنة الطائفية قصة مضحكة مبكية كأنها اقتباس مشوه من حرب البسوس وإلياذة هوميروس. وما يزيد فى السريالية، أن مؤلف القصة فى مصر جعل فيها أكثر من هيلين وأكثر من جليلة، ففقدت حتى حبكتها الأدبية وخربها التكرار كالنكتة المعادة.

 

وبينما كانت هيلين الأولى موضع الخلاف تشرح ما جرى على شاشات التلفزة، ادعى البعض وجود هيلين أخرى غيرها محتجزة فى كنيسة بإمبابة، وفى توقيت الادعاء ما يكفى لتكذيبه. وانكشاف الدعوة الطائفية لمهاجمة الكنيسة واضح إلى درجة أننى أستبعد استجابة أى عاقل أو مجنون لها. إنما استجاب له من أطلقه ومن كان مبيتا النية على استمرار الفتنة الطائفية فى مصر. وقصة هيلين تتحول من الخيال إلى الحقيقة إذا جرى فيها الدم، وهذا ما أراده دعاة الفتنة الطائفية بالضبط، أن تجرى الدماء بين الناس فينسوا تفاهة السبب ويلتفتوا لجلال الرزية.

 

●●●

 


من إذن وراءها، لا أتهم أحدا وعلى الجهات المسؤولة أن تحقق، ولكن أذكر فقط بالسوابق، فمن فجر كنيسة القديسين واتهم الفلسطينيين ومن استغل قبلها أحداث الزاوية الحمراء ليزج بالبلد كلها فى السجن يبدو صاحب المصلحة الأول. لا يريد أنصار حسنى مبارك والعادلى وأمن الدولة لهذه الثورة أن تنجح، ولا تريد لها الولايات المتحدة الأمريكية أن تنجح، ولا يريد حلفاء الولايات المتحدة فى المنطقة لهذه الثورة أن تنجح، وكما قلنا سابقا لا حيلة لهؤلاء إلا التفرقة بين الناس، لأنه لا توجد قوة على الأرض تستطيع أن تغلب تلك الملايين التى رأيتموها فى الميادين أول هذا العام.

 

إن كل من يرى فى المسيحى أو الشيعى أو الشيوعى أو القومى أو الليبرالى عدوا له قبل أمريكا وإسرائيل إنما يعمل لمصلحة أمريكا وإسرائيل، وكل من يرى فى المسلم أو الإسلامى أو السلفى أو الوهابى عدوا له قبل أمريكا وإسرائيل إنما يعمل لمصلحة أمريكا وإسرائيل. والعجيب أنك ترى بعض الليبراليين وغير المسلمين يرون فى أمريكا عضدا لهم ضد السلفيين، وترى بعض السلفيين يرون فى المملكة العربية السعودية عضدا لهم ضد العلمانيين والشيعة والمسيحيين، بينما الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية حليفتان قريبتان لا تكاد إحداهما تبت أمرا دون مشاورة الأخرى. وقد علمت الولايات المتحدة منذ حرب العراق أو قبلها بقليل أن الإسلام السياسى فى العالم العربى خطر عليها، وأنه القوة المرشحة لخلافة نسق الأنظمة المتهالكة الحليفة لواشنطن وتل أبيب، وعلمت أيضا أنها لن تستطيع أن تجابه الإسلام السياسى الثورى إلا بإسلام سياسى غير ثورى، فاعتمدت نموذج المملكة العربية السعودية. وفى مصر صنفت الولايات المتحدة الإخوان المسلمين على أنهم ينتمون لحلف المقاومة مع كل من حماس وحزب الله بينما صنفت بعض السلفيين، ولا أقول كلهم، على أنهم، رغم تشددهم فى الطقوس وفى أمور الزواج والطلاق وغيره، معتدلون سياسيا، خاصة لأنهم يقدمون عداوتهم لإيران على عدواتهم لإسرائيل ويتشددون فى كل شيئ إلا فى الثورة والحرب، بل إن تشددهم فى الطقوس يعوض مهادنتهم فى السياسة الإقليمية.

 

لا أقول إن كل سلفى مهادن، فمن السلفيين من قاوم الاحتلال فى العراق وأفغانستان، ولكن الطبعة السعودية من هذا التيار السياسى هى التى تفضل أمريكا أن تواجه بها الإسلام السياسى الثورى. وفى المقابل، لكى يكون هذا الإسلام السياسى المهادن محكوما ولا يتحول إلى إسلام سياسى معاد للولايات المتحدة، فقد قررت هذه الأخيرة أن تدعم خصومه من الليبراليين الذين يرون فى واشنطن حامية لحماهم وضامنة لبقائهم. فالمستغيث من السلفيين بالولايات المتحدة كمن يستغيث من السعودية بحليفتها والعكس بالعكس.

 

إن شعور بعض مسيحيى مصر بالتهديد مفهوم، وهو تهديد لن يبدده إلا المسلمون، إن المسلم الذى يرى أخاه المسيحى عرضة للظلم ثم لا ينصره يشارك فى ظلمه، بل يعرض نفسه هو للخطر ويعرض للخطر الثورة المصرية ويفتح بابا للولايات المتحدة لا يجوز أن يفتح. وقلة العدد ليست ذنبا وليست كثرته فضلا، وعلى كثير العدد أن يطمئن أخاه ويحتويه ويعذره، ومن المضحك أن يخاف التسعة من عاشرهم والعيب عليهم هم إن خاف عاشرهم منهم. وإن لم يكن المصرى المسيحى أسعد حالا بعد الثورة فالخجل لاحق بنا نحن، أنزيل الطغاة لنطغى أم لنعدل. والكنيسة المصرية كنز للمصريين جميعا وضمانة وحدة وطنية وباب محبة ورحمة ومودة بين الناس، ومن ينالها بسوء يعادى مصر كلها بل والمسلمين كلهم، والعار على من يؤذى حليفه ويحالف عدوه، وطوبى لهم وُدَعَاءَ صابرين.

 

●●●

 


إن هذه الثورة انتصرت بالإجماع، ولا تكون حمايتها إلا بحماية الإجماع، وحمايته ممكنة، فالأغلبية الساحقة من المصريين مجمعون على سياسة خارجية مضادة لإسرائيل ومستقلة عن إملاءات الولايات المتحدة، وهم مجمعون على الحرية المطلقة فى الداخل، حتى الجماعات الدينية من الطائفتين، كل يبدو واثقا من قدراته الدعوية ويعلم أنه سيستفيد أن أطلقت حرية التعبير والتنظيم أكثر من غيره، وهم مجمعون على درجة من العدالة الاجتماعية فى الاقتصاد. وهذا البرنامج المثلث يضع السياسة الخارجية وموضوع الهوية فى يد القوميين والإسلاميين الثوريين، ويضع أمر الحريات فى يد الليبراليين الحقيقيين غير المصابين بالإسلاموفوبيا ولاالمتحالفين مع الولايات المتحدة، ويضع الاقتصاد فى يد اليسار الذى يستفيد من تجارب نظم ما بعد الماركسية كالبرازيل وغيرها ويضمن حقوق العمال والفلاحين. هذا برنامج يرضى به الجميع إلا طائفى دينى حليف للمملكة العربية السعودية أو طائفى لا دينى من نوع آخر حليف للولايات المتحدة الأمريكية، يتعاديان بأمر سيديهما وسيداهما متحالفان، وبلادنا لم تزل منبعا للعجائب.



اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=10052011&id=6f3d44ad-7709-437a-bc7f-392a5c3b33ab