كله على ركبه

الشروق

الثلاثاء 24 مايو 2011 - 9:10 ص

 «كلُّه على رُكَبه» هكذا صاح أحد الضباط فى الشباب المصريين الذين تظاهروا أمام السفارة الإسرائيلية يوم الخامس عشر من مايو. أُطلق الرصاص الحى على الناس، وأُمروا أن يركعوا ويضعوا أيديهم على رؤوسهم كأسرى الحروب، وسَبّ الضابط أمهاتهم وأخواتهم وشرفهم، ثم أمروهم أن يزحفوا على بطونهم من مكان لآخر واعتقلوا منهم العشرات.

لم تقم فى مصر ثورة إذن. لم تقم فيها ثورة إن كان هناك مسلح ما، بزى رسمى ما، يظن أن سباب المواطنين المصريين بأمهاتهم حلال له، ويظن أن تركيعهم وتزحيفهم ممكن، وأن إطلاق النار عليهم يمر بلا عقاب، وأن جزاء القتل توبيخ القاتل لا أكثر، بل وربما كان جزاء القتل توبيخ القتيل.

لم تقم فى مصر ثورة إن كان فيها من يخاف إسرائيل إلى درجة الظن أن مظاهرة أمام سفارتها ستؤدى لحرب، أو أن إلغاء اتفاقية السلام معها معناه احتلال البلد، أو أن مقاومة إسرائيل تستلزم أن ننتظر عقودا حتى نصبح قوة عظمى «تقف على رجليها» كما يحبون أن يقولوا، ولبنان أمامهم، هزم إسرائيل وهو أضعف جيرانها، ولم يقاتلها كل لبنان بل قاتلها المستضعفون فيه وحدهم بينما أهل المال والجمال ودعاة «الوقوف على الرجلين» لم يبرحوا واقفين على أرجلهم يتفرجون. وكأن إسرائيل تؤذى كل من يعارضها وتكف الأذى عن كل من يسالمها، إن المستوطنات ما تزال تبنى على تخوم رام الله لا غزة ولا بيروت، والغاز يُنهب من مصر لا من إيران.

لم تقم فى مصر ثورة إن فقد الناس ثقتهم بأنفسهم، فالثقة بالنفس هى الفرق الوحيد بين لحظة الثورة وكل السنوات الثلاثين السابقة لها. وثق الناس أنهم قادرون على حكم البلد فحكموها واستقلوا بها عن عصابة كانت تحتلها احتلالا، بكل ما فى الاحتلال من نهب للمال وقتل للنساء والرجال. لم يكن ممكنا للضابط أن يصيح بالشباب أن يركعوا على ركبهم لو أن أهل المنازل المحيطة بالسفارة الإسرائيلية خرجوا إليه من بيتهم يمنعونه. إن الذى يمنع ضابطا فى بلد يحترم حقوق الإنسان من سب المتظاهر أو إهانته ليس القانون، بل الرفض الاجتماعى الكامل لإهانة أحد أيا كان. إن الذى يمنع ضابطا فى بلد يحترم حقوق الإنسان أن يهين الناس هو علمه أن جنوده لن يطيعوه إن أمرهم بذلك، وأن المارة لن يمروا عليه ساكتين، وأن الساكنين فى بيوتهم لن يبقوا ساكنين. قامت الثورة فى تونس لأن الناس قرروا أنهم لن يسامحوا الشرطية فى صفعها لمحمد البوعزيزى ونثرها لرزقه على الأرض، وقامت الثورة فى مصر لأن الناس قرروا أنهم لن يسكتوا على قتل خالد سعيد وكل من كان مثل خالد سعيد. وقامت الثورة فى البلدين لأن كل متظاهر نزل إلى الشارع كان واثقا أن أخاه لن يخذله ويعرى ظهره ويتركه لعصابة سعيدة بدروعها وعصيها وخوذها وغازها المستورد المسيل للدموع. ليست الدولة الحديثة إلا خوفا مجسدا بأختام وقصور وأزياء رسمية، لما قرر الناس ألا يخافوا اختفت الدولة. والناس إن خافوا اليوم فسيعيدونها وسيتحملون نتائج عودتها وشرها الذى يعرفون.

لم تقم فى مصر ثورة إن كان الظن السائد بين الناس أن مؤسسة حكومية ما، أو مسؤولين كبارا ما، هم أصحاب فضل على الملايين التى ملأت الشوارع وأن الثورة منحة من قلة قوية لضعفاء كثر. لا توجد قوة نار على الأرض تستطيع ردع عشرين مليون إنسان متجمعين فى الميادين ولا عشرة ملايين ولا مليونين. سلمية الثورة هدية من المتظاهرين لا هدية لهم. إن أى قدر من القوة لم يكن ليخيف مليونى إنسان مجتمعين فى ميدان واحد ولكنه ربما أغضبهم، ولك أن تتخيل ما يكون من أمرهم إذا غضبوا. بعبارة أخرى، كان ميزان القوة المادى العسكرى الذى يدرس فى المعاهد ويعرفه القادة فى الحروب مائلا لصالح المتظاهرين وكانوا سينتصرون فى أية مواجهة يدخلونها، ولكنهم اختاروا سلمية الثورة اختيارا، أما غيرهم فكان مضطرا لها اضطرارا واضحا. لم تكن مصر كليبيا لأن أهل القاهرة نزلوا كلهم إلى الشوارع، ولو أن أهل طرابلس نزلوا لحررت طرابلس كما حررت بنغازى، كل من بقى فى بيته أعطى الدكتاتور عمرا. لم تكن مصر كليبيا لأن القاهرة لم تكن كطرابلس، لا لأن مبارك كان حنونا.

والناس اختاروا سلمية الثورة ثقة منهم ومحبة فى جنودهم، أهل الدفعة الذين ما من أسرة فى مصر إلا شاركهم أبناؤها طعامهم، وثقوا فى زى عسكرى يعرفونه فى أفلام حرب السادس من أكتوبر ومشهد العبور تحديدا، زى ارتبط فى مخيلاتهم بالحرب ضد إسرائيل دون غيرها، زى لبسه أكثر شبابهم وتحملوا المصاعب وهم يلبسونه لا لشىء إلا لأنهم يظنون أن للبلد عدوا وأن هذا العدو ليس ليبيا ولا السودان ولا قبرص، وهو بالتأكيد ليس مجموعة من المتظاهرين فى ميدان التحرير ولا أمام تمثال نهضة مصر.

لم تقم فى مصر ثورة إن كنا نظن أن بيع الكرامة بالمال جائز، وأن قتل أولادنا خشية الإملاق حلال، وأن ترك بعض القتلة والمعذِبين واللصوص طلقاء، ناهيك عن إطلاق من حُبس منهم، لقاء منحة من حلفائهم الأغنياء، أمر مقبول. 

باختصار، لم تقم فى مصر ثورة إن كان البعض يريد للمصريين أن يخافوا من الفقر، أو يطمعوا فى مال السعودية أو يخافوا من إسرائيل، أو يركعوا على ركبهم لغير الصلاة.

اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=24052011&id=6bc64844-62eb-4536-bc4b-109f3cfc7a3d