قوة الشارع وسراب السلطة.. مبادرة

الشروق

الثلاثاء 21 يونيو 2011 - 9:01 ص

نحن فى خطر. قامت هذه الثورة بإجماع الناس وتفكك أجهزة الدولة القمعية، واليوم يعاد تركيب أجهزة الدولة القمعية ويتفكك إجماع الناس. افترق الناس على مسألة الدستور قبل الانتخابات أو الانتخابات قبل الدستور، وقبلها اختلفوا على الاستفتاء، ولا يخفى على أحد أنه خلاف على السلطة، يريد كل فصيل أن يحكم، ويظن كل فصيل أن باب الحكم هو التحالف مع حكام البلاد الحاليين ضد الفصيل الآخر. ولا يخفى على أحد أيضا أن هؤلاء المختلفين لا يستطيع أى منهم أن يحشد الملايين فى الشوارع وحده. ولذلك فهو فى موقع ضعف أمام الحاكمين يفى لهم بوعوده أملا فى أن يفوا له بوعودهم، إلا أنه لا يستطيع ضمان وفائهم له بحال من الأحوال. وقد وقع فى هذا طرفا الخلاف، فترى أن معارضى المجلس الأعلى للقوات المسلحة اليوم إنما يعارضونه لأنه اختار سواهم حليفا، وهم على أتم الاستعداد أن يؤيدوه إذا حالفهم هم.

إن الشارع لا يمتلئ إلا بالإجماع، والناس الذين نزلوا بالملايين أيام الثورة لم ينزلوا بأمر من أى فصيل سياسي، بل نزلوا لأنهم أدركوا أن الكل مجمعون على زوال النظام، ونزلوا لأنهم يكرهون وجه هذا النظام الأقبح المتمثل فى وزارة الداخلية. ولو بقينا غارقين فى خلافاتنا اليوم فإن وزارة الداخلية ستعود كما كانت، ولن نضمن إجراء الانتخابات فى موعدها، ثم لن نضمن أن تكون الانتخابات نزيهة ولا تزور، ثم لن نضمن إذا غضبنا من هذا كله أن نقدر على حشد الناس فى الشوارع لأننا متفرقون، فإذا دعا البعض الناس للنزول دعاهم خصمه السياسى للبقاء فى بيوتهم، وإذا اعترض طرف ما على نتيجة الانتخابات فإن خصمه سيقبلها. وكما ترون فأنا لم أسم الأطراف السياسية كالإخوان والليبراليين لأن كليهما معرض لأن يحل محل صاحبه وسيخسر الطرفان فى هذه اللعبة وتكون وزارة الداخلية، هى المنتصر الوحيد. وحين أقول إن وزارة الداخلية ستكون هى المنتصر الوحيد فأنا أعنى أن الديمقراطية الحقيقية فى مصر ستدفن قبل أن تولد، وهو بالضبط ما تريده الولايات المتحدة وإسرائيل. تعلم الولايات المتحدة أن الديمقراطية فى مصر تعنى بالضرورة سعى المصريين لمصلحة مصر، وتعلم الولايات المتحدة أن مصلحة مصر تتعارض مع مصلحتها فلها من يد ضاربة مسلحة تقمع بها الشعب المصرى وتمنعه من ممارسة حقه فى تقرير مصيره واختيار حكامه. 

<<<
إن الضمانة الوحيدة ضد هذا السيناريو هو عودة القدرة على حشد الناس فى الميادين، وهذه لا تكون إلا بإجماع كافة الأطراف السياسية أولا، ثم باختيارهم لهدف يقبل الناس أن ينزلوا إلى الشوارع من أجله، أما الصراع على سلطة ليست بعد فى يد أحد منهم، ولن تكون فى يد أحد منهم فخطر عليهم جميعا. الشوارع هى الحصن ضد السلاح وقنابل الغاز والهراوات، وهذا السلاح أمريكى المنشأ والهوى.

ولذلك فأننا نجتهد فى البحث عن النقاط العامة التى تجمع عليها القوى الوطنية فى مصر، ونطلق من هاهنا مبادرة للتفاهم بين هذه القوى تعيد للجميع قدرة الحشد، وتضمن أن تجرى الانتخابات حين تجرى على أساس نزيه، وأن لا يفرض أحد على المصريين شيئا بالقوة سواء من داخل البلاد أو خارجها. ونقاط الإجماع هذه لا تزيد على ثلاثة عناوين كبرى:

أولا: هوية البلاد وعلاقتها بالآخر: لا يختلف الناس على انتماء مصر لمحيطها العربى والإسلامي،وأنها لا يجوز أن تكون حليفة للولايات المتحدة وإسرائيل، وأن القضايا العربية والإسلامية هى فى صلب المصلحة القومية المصرية وأن فصل مصر عن أمتها فيه إضعاف لها وللأمة. فلتكن الهوية والمرجعية والدفاع والاستراتيجية العامة والسياسة الخارجية فى أيدى من يؤمنون بانتماء مصر هذا.

ثانيا: علاقات أهل البلاد بأنفسهم وبحكامهم: لا يختلف الناس على الحرية الكاملة فى التعبير والتنظيم السياسى وعلى الالتزام الكامل بحقوق الإنسان. سيستفيد الجميع من ذلك، من كان ذا قدرة دعوية كبيرة وانتشار بين الناس سيستفيد من رفع القيود عنه ولن يخاف من منافسيه، ومن لم يكن ذا حضور شعبى كبير لحداثة عهده بالتنظيم أولحداثة خطابه السياسي، سيستفيد من حماية حقه فى الاختلاف مهما كان. لذلك فليكن أمر السياسة الداخلية والحقوق السياسية موكلا لمن يؤمنون بالحرية المطلقة وحقوق الإنسان.

ثالثا: الاقتصاد:لا يختلف المصريون على العدالة الاجتماعية، وأن وضع الطبقات المظلومة فى هذا البلد لم يعد محتملا، ولو كان محتملا لما قامت الثورة. وإن الأحزاب والجماعات اليسارية هى الأكثر اهتماما بمسألة الاقتصاد وحقوق المظلومين، فليوكل الاقتصاد إذن لهم، فهو ما يحسنون.

<<<
إن تفاهما كهذا يلغى خوف الأطراف السياسية من استئثار بعضها بالسلطة دون بعضها الآخر، فلكل من التيارات السياسية الكبرى فى البلد: الإسلاميين والليبراليين واليساريين نصيب فى هذا التفاهم. فإن قبلوا به أصبح ممكنا أن يعملوا سويا وأن لا يستقوى أحد منهم على أخيه بغيره. وأول عمل لهم هو استكمال هذه الثورة التى قامت أساسا يوم عيد الشرطة وباسم شاب قتل تحت التعذيب، فلا يجوز أن يسمحوا أن يعاد بناء وزارة الداخلية بنفس الكوادر القديمة ونفس الضباط ونفس القواعد الإدارية والرقابية. فليطالبوا جميعا ببناء وزارة داخلية جديدة ينعدم فيها الأمن السياسي، فلا يكون هناك جهاز لأمن الدولة مهما تغير اسمه، ولا يعمل فى هذه الوزارة الجديدة من كان يعمل فى الوزارة القديمة، فلا بد لها أن تكون جديدة تماما. لقد قال مستشار رئيس الوزراء منذ عدة أيام على التلفزيون المصرى أن مستوى الجريمة فى مصر لم يتغير قبل الثورة وبعدها، ما يعنى أن مستوى الجريمة لم يتغير بوجود الشرطة وبغيابها. هذه الشرطة لم يكن لها دور فى مكافحة الجريمة بل كان دورها سياسيا محضا، وكل الكلام عن غياب الأمن فى البلد إنما هو كلام سياسى الهدف منه إعادة تسليح الدولة ضد مواطنيها واستعادة قدرتها على ممارسة العنف. لا يكفي، ليحكم شعب ما نفسه، أن تكون حكومته رافضة لممارسة العنف ضده، إنما يجب أن تكون عاجزة عن ممارسة العنف ضده. باختصار، نريد أن يكون ضابط الشرطة كما كان ضابط الجيش فى الثورة، إذا جاءه أمر بإطلاق النار على الناس، ولو كان من رئيس الجمهورية، فإنه يرفض، فيعجز آمره عن إصدار أمر كهذا.

أيها الناس، إذا افترقنا فأبشروا بالشرطة تعود إليكم كما كانت، فليثق الأعزل بالأعزل، إن من يسعى للسلاح لن يملك السلاح بل سيملكه السلاح، ولو كان هذا السلاح قنبلة غاز وهراوة، فكلها مصنوع فى الولايات المتحدة الأمريكية، وهى كانت الحاكم الفعلى للبلد ثلاثين عاما، وساذج من يظن أنها ستسمح له سماحا أن يحكمها، إنما يجب أن تجبر على ذلك قسرا وهذا لا يكون وإلا ونحن جميعا فى الميادين، الشعب والشعب يدا واحدة.

اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=21062011&id=397db19b-3c23-4912-9722-6ab523a72df0