عن اقتحام السفارة الإسرائيلية فى القاهرة

الشروق

الثلاثاء 13 سبتمبر 2011 - 11:54 ص

 

يثير الدهشة الكبرى أن يدور فى مصر جدل حول اقتحام السفارة الإسرائيلية، ناهيك عن إصدار الحكومة بيانا يدينه. إن ما جرى جمعة التاسع من سبتمبر  عمل مفيد، وشجاع، ووطنى، وشريف، وثورى، وفوق ذلك، هو عمل سلمى تماما، وصبور، وحليم، ورمزى بالدرجة الأولى. إن تردد البعض فى التأييد غير المشروط لهذا العمل النبيل، أمر محير. أيها الناس، لقد قُتل أولادكم واقتُحمت حدودكم ورفض قاتلهم حتى الاعتذار، وما زاد البشر الكرام على أن نزعوا للعدو علما أو اثنين ورموا أوراقه من النوافذ.

 

ولقد سمعنا الأعاجيب، كأن يقال إن مقتحمى السفارة كانوا متآمرين، وأنهم ما أرادوا إلا إحراج مصر فى المحافل الدولية، إنما يحرجها أن يُقتل جنودها فلا ترد، وأن تطلب الاعتذار فيأتى الرد ابتسامة ساخرة من تل أبيب. وسمعنا من يقول إن المؤامرة داخلية هدفها إعطاء المجلس العسكرى الذريعة لخنق الحريات وتأجيل الانتخابات وفرض الأحكام العسكرية والطوارئ، أما الطوارئ فنحن لم نزل ننوء تحتها منذ عهد حسنى مبارك، وأما الأحكام العسكرية فإن اثنى عشر ألفا من المصريين محبوسون بمقتضاها، وأما الانتخابات فقد آن أوانها ولم  تبدأ، بل لم نكد ننتهى من تقسيم الدوائر بعد، وأما خنق الحريات، فقد تجاوزناه إلى خنق المواطنين بالغاز المسيل للدموع. وسمعنا من يقر بذلك كله، لكنه يقول إن ما حصل أجَّل الخلاص من هذا الشر، ومنهم وزير الإعلام، وسأفرغ له بعد سطور، والقائلون بذلك مصابون بفقدان الذاكرة، إن المظاهرات، بل والمواجهات المفتوحة، هى التى تأتى بالحريات، لا القعود فى البيوت، ولو أننا قبلنا بمنطقهم لكانت الثورة نفسها أكبر الذرائع لتمديد الطوارئ.

 

●●●

 

إن سياسة سحب الذرائع، والخطاب المؤيد لها، قديمة قدم الخوف فى النفس البشرية، إن الظالم لا يحتاج ذريعة ليظلمك، إذا قدر  على ظلمك فسيخترع لك ذريعة من الهواء، وليست قدرته إلا خوفك أنت منه، وخوفك ليس إلا اعتقادك أن ممارسة حقك ذريعة له ليظلمك. بمعنى آخر، إن خطاب سحب الذرائع هو الذى يؤدى إلى اعتداء الظالم عليك. إن من يدينون اقتحام السفارة بصفته ذريعة تعطى الحكومة الفرصة للبطش، يقبلون ضمنا بذلك البطش وبأحقيته. ليس مقتحمو السفارة من يعطى الحكومة ذريعة للظلم بل الناس الأعاجيب الذين ينتقدونهم هم الذين يعطون الحكومة العذر، ويعرضون إخوانهم للخطر، ويطعنونهم فى الظهر، ويلزون أنفسهم بين الأمة وأعدائها.

 

أما السيد الفَخْم والعَلَمُ القَرْم والصَّمَيْدَعُ الشَّهْم، وزير الإعلام، فإنه خرج يعلن التزام مصر بالمعاهدات الدولية، وحدد منها المعاهدات الخاصة بحماية السفارة الإسرائيلية، ثم أعلن تفعيل قانون الطوارئ المخالف لكل المعاهدات الدولية الخاصة بحماية حقوق الإنسان. إن وزير الإعلام المصرى يعلن علينا أن حكومة الثورة تلتزم بحماية حقوق إسرائيل ولا تلتزم بحماية حقوق المصريين الذين أتوا بها إلى السلطة. ثم هو يعلن أن الحكومة تنوى اعتقال كل من شاركوا أو حرضوا على ما جرى على السفارة الإسرائيلية وتحويلهم إلى نيابة أمن الدولة العليا. وعلى حد علمى فإن جهاز أمن الدولة والنيابة المختصة بقضاياه قد ألغيا، إلا أن يكون جهاز الضبط والإحضار قد ألغى وبقى جهاز التحقيق والإحالة. ومعالى الوزير  يعطى الشعب المصرى دروسا فى الحضارة، قائلا إن ما جرى على السفارة ينافيها. لا والله يا معاليك بل ما فعلته حكومتكم من خذلان لجنودها وأمهاتهم وقتل للمتظاهرين الطالبين بحقهم، وخطابك المستهين بهم وبنا وبالبلد هو ما ينافى الحضارة والأخلاق والحكمة السياسية جميعا.

 

إن صاحب المعالى يريد ثورة تلتزم بالقانون، ولم أعلم ولا غيرى بعالم آخر الدهر، بثورة تلتزم القانون، إن كل القوانين التى صدرت عن برلمانات مزورة، هى قوانين باطلة بالتعريف. إنما يفعل الشعب المصرى ما يشاء، وأنت تعلم يا صاحب المعالى، ويعلم القارئ الكريم، أن الشعب المصرى لا يشاء أن يرى علما إسرائيليا يرفرف على نهر النيل وتمثال نهضة مصر، ولا يشاء أن يرى جنودا مصريين يقتلون وتذهب دماؤهم هدرا، ولا يشاء أن يرى هذه الخنوع أمام العدو والمرجلة على الثوار. فإن شككت فى مشيئته يا صاحب المعالى فاسأله، واعرض اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل برمتها على استفتاء عام، والتزم بما يمليه عليك الناس الذين تتعالى عليهم.

 

●●●

 

وأخيرا، سمعنا ذلك الكلام الممل عن الخوف من دخول مصر حربا لا تطيقها، ألا يعلم من يقولون هذا الكلام أنهم يهينون مؤسسة عزيزة على المصريين، تعاقب قوانينهم، تلك التى يحبونها حبهم لأولادهم، على إهانتها؟ إن كل الحجج التى تدين مقتحمى السفارة مبنية على فرضية باطلة هى كون مصر أضعف من إسرائيل، والعكس هو الصحيح لأسباب يطول شرحها، ومجملها أن غزة ولبنان وقفا لإسرائيل فما بالك بمصر، فالضعف فى الحكومة لا فى البلد وفى القادة لا فى الناس جنودا كانوا أو مدنيين. وأنا لم أر حكومة مولعة بضعفها الموهوم إلى هذا الحد، متباهية به حد الإملال، تستخدمه فى كل خذلان عذرا لا عذر فيه، وسترا خير منه الفضيحة. وأخيرا، هناك من اتهم المتظاهرين بالبلطجة، ببساطة لأن ملابسهم لم تعجبه، والفرق بين البلطجى والثائر ليس فى الملبس، بل فى المطلب، ولو وجدت بلطجيا يطالب بتطهير الداخلية وطرد السفير الإسرائيلى حفاظا على كرامة البلاد، فهو ليس ببلطجى، ولو وجدت «مواطنا شريفا» واقفا بين صفوف الأمن المركزى يضرب خلق الله فليس والله بالمواطن الشريف. لقد كان المصرى فى العهد البائد تقتله جهتان، إسرائيل فى الحرب وأجهزة القمع المصرية فى السلم، فإن رأيت يا معالى الوزير الثوار المصريين غاضبين من الداخلية ومن إسرائيل فمم تتعجب؟ وإن رأيتهم فقراء، فمم تتفاجأ؟

 

إذا كانت هذه الحكومة تريد تحجيم الثورة بحيث تقتصر على بعض الحريات الشخصية وتحذف بُعديها الوطنى والاجتماعى فسوف تسقط. لن تَكْمُل هذه الثورة إذا بقى الحلف الاستراتيجى مع الولايات المتحدة وإسرائيل ولن تكمل هذه الثورة إذا بقى فقير مصر منهوبا ومكروها، يسرقه أغنياؤها ثم يشتمونه . وقد كان اقتحام السفارة المتزامن مع الإضرابات فى كل البلاد تذكيرا بهذا، هذه ليست ثورة الطرابيش والبرانيط وربطات العنق، وليست ثورة المفاوضات والأناقات الدبلوماسية، لا والله ليس بعد هذا الدم.. لا والله.



اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=13092011&id=91ae0efb-686d-4cff-b9bf-36235d07bf92