تعبنا

الشروق

الثلاثاء 22 نوفمبر 2011 - 9:02 ص

 

عدت للتو من ميدان التحرير لكتابة هذا المقال، وقد تجمع فى الميدان كل أطياف المجتمع المصرى، ففيه الإسلامى والاشتراكى والليبرالى والقومى والمستقل، وأكثر غير منتم لأى حركة سياسية بعينها، اللهم إلا انتماؤه للأخلاق والحق والعدل فى هذه الدنيا. أهل ميدان التحرير اليوم هم أهله فى أول أيام الثورة، بشر أسوياء لم يرضوا أن يضرب المصاب وأن تؤخذ منه عكازته، وأن يصوب الجندى بندقيته من بعيد، وبهدوء على أعين الناس عامدا متعمدا. هم بشر عقلاء يدافعون عن أعينهم هم وأعين أولادهم لكى لا يحكم مصر حاكم أو مجلس حكام يأمر جنوده بالتصويب عليها، يدافعون عن دمائهم ودماء أولادهم لكى لا يحكم مصر من يقدر بأمر عبر جهاز لاسلكى أن يسفكها ثم لا يُحاسب، وهم يدافعون عن كرامتهم واستقلال بلادهم لكى لا يحكمهما من كان ماله وسلاحه وتدريبه آتيا من الولايات المتحدة الأمريكية تجلسه على رءوس الناس ظلما وعدوانا.

وكالعادة فقد بين الميدان الفرق بين الشعب وقيادات تنظيماته السياسية، وكان الفرق لصالح الشعب طبعا، فمن الخزى والعار أن تنقسم القيادات السياسية الإسلامية والعلمانية ما بين مشتاق إلى نصيبه من الوزارة يسميها وزراة إنقاذ وطنى، وما بين مشتاق إلى نصيبه من البرلمان يسميه تجسيدا للإرادة الشعبية، وينسى الطرفان أن الوزارة بلا سلطة وأن البرلمان بلا سلطة وأن كل السلطة فى يد المجلس العسكرى.

●●●

إن هذه الفترة الانتقالية طالت أكثر مما ينبغى، وقد كذب من كذب على الشعب المصرى حين وعده بانتهائها فى ستة أشهر. وكان لا بأس بطولها لولم يدفع المصريون ثمن التأجيل دما يسفك وعيونا تفقأ ونشطاء يحبسون واثنى عشر ألفا من المصريين المدنيين يحاكمون أمام المحاكم العسكرية، ناهيك عن التساهل فى أمن مصر القومى حيث تم إهمال الملف الليبى حتى أصبح الناتو يعسكر على حدودنا الغربية، وإهمال الملف السورى حتى أصبحت سوريا مهددة بحرب أهلية وتدخل دولى، بل وأقرب من ذلك، حيث أصبحت إسرائيل تقتل جنودا مصريين، ثم يستقبل وزير الخارجية المصرى السفير الإسرائيلى فى المطار، وكأن وزيرنا أدنى من سفيرهم.

وقد بين المجلس العسكرى نيته فى البقاء حاكما للبلاد عبر ما سمى بوثيقة السلمى، وما كانت إلا إعلان نوايا، وربما كان القبول بما فيها من تسليم السلطة الفعلية للعسكر ثمنا لسماح العسكر بإجراء الانتخابات البرلمانية، فلما رُفضت قرر حاكمو البلاد أن يعاقبوا الشعب المصرى بفقء العيون وقتل الأولاد.

أما القوى السياسية المصرية فمن ليبرالى مشتاق إلى وزارة لا حول لها ولا قوة، يريدها ليستقيل منها بعد أن يكتشف أنه بلا صلاحيات آملا أن يكون نسخة محسنة من سعد زغلول، ومن إسلامى يشتاق إلى مقعد فى برلمان لا حول له ولا قوة آملا أن يستخدمه وسيلة للاحتجاج لا أكثر.

إن قوة الشارع المصرى تقدر أن تفرض أكثر من هذا، وأظن أن أهل الميادين فى مصر قادرون على أن يفرضوا على هذه السلطة الحاكمة إنتخابات رئاسية فورا، تجرى بالتزامن مع الانتخابات البرلمانية، وإجراءات الانتخابات الرئاسية متوفرة فى الدستور وفى الإعلان الدستورى المعدل، وإصدار مرسوم بفتح باب الترشح فى الانتخابات الرئاسية من صباح الغد ممكن، بل وضرورى، لنضمن أن يشرف على المرحلة الانتقالية رئيس مدنى ولاؤه للشارع الذى أتى به، ولنضمن أنه لن يطلق النار على أولادنا إذا اعتصموا أو تظاهروا.

إما هذا، وإما أن يقوم الشعب المصرى باختيار قيادة، هى لا بد ستظهر، لا ترغب فى حكم ولا منصب، لا تشتاق لوزارة ولا لبرلمان، وإنما همها حماية دماء الناس وأرواحهم، وأن يعتبرها الناس أولى بالطاعة من حكومة لم يخترها أحد تقتل من تشاء وتحبس من تشاء بغير حساب.

●●●

أيها الساسة ذوو السترات الأنيقة والنبرات الهادئة والعقلانية التى لا عقل لها، والهدوء الذى يكلف دما وعيونا، تعبنا وتعب الناس من دعوتكم لأن تتوحدوا لتقودوا هذا البلد، أخذ الناس عرش مصر من مغتصبيه وداروا عليكم واحدا واحدا يعرضونه عليكم بشرط واحد أن تكونوا رجالا بما يكفى لحمايتهم والوقوف بجانبهم إذا قتلوا، وأن لا تشتاقوا لكراسى لا خير فيها ولا معنى لها، وتعبنا وتعب الناس من دعوتكم لكى تفككوا آلة القمع، وأن تبنوا وزارة داخلية غير هذه التى تقتلهم، أن تعاركوا بعضكم بعضا على وثائق لا تساوى الحبر الذى كتبت به إلى أن أصبح الثوار بين قتيل وجريح وأسير. واليوم تواصلون هذا الرخص والناس موتى، طالبوا بما يساويه الدم، طالبوا بحكم مصر كله غير منقوص، خذوه فهو لكم إن كنتم شجعان بما يكفى لمد يدكم إليه.

 

 

 

 

 

 



اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=22112011&id=963caa1a-bcc4-43ca-a2f4-5c502a161bc3