الأمانة والفرص الضائعة والصفقات المحتملة

الشروق

الثلاثاء 6 ديسمبر 2011 - 9:09 ص

 

يبدو أن هذه كانت سنة لإضاعة الفرص. كان الشعب المصرى قادرا على تغيير النظام دفعة واحدة لو استمر مئات الآلاف من الناس فى الميادين يوم الثانى عشر من فبراير الماضى إلى أن تسلم السلطة إلى القضاء ويحدد موعد انتخاب رئيس مدنى انتقالى للجمهورية يفكك أجهزة القمع التى قتلتهم وعذبتهم ثلاثين سنة، ثم كان الشعب المصرى قادرا لو توحدت قواه السياسية أن يفعل الشيء نفسه فى آخر شهر يونيو عندما قامت الداخلية بقتل أهالى الشهداء، ثم كان قادرا للمرة الثالثة أن يفعل الشيء نفسه وينهى الحكم العسكرى بعد أن فض حكام البلاد المسلحون اعتصاما لمصابى الثورة فسقط عشرات الشهداء وآلاف الجرحى.لكن القوى السياسية المصرية فضلت الاعتماد على المؤسسات الرسمية لا على قوة الشارع، فهناك اعتقاد راسخ لدى الليبراليين والإسلاميين على السواء أن مؤسسات الدولة الرسمية تمكنهم من تغيير الأوضاع فى البلاد أكثر من ثورة الشارع، فالواحد منهم يفضل أن يكون نائبا فى البرلمان أو رئيسا للوزراء أكثر من أن يكون قائدا فى الميدان ومن الميدان، ويحب أن يحظى بمنصب شاهبور بختيار أو ألكسندر كيرينسكى أكثر من أن يكون الخمينى أو لينين.

 

فليكن، إن كان هذا نصيبنا من السياسيين إسلاميين وليبراليين فالحمد لله الذى لا يحمد على مكروه سواه، يريدون أن يحشروا روح الثورة فى قوالب المؤسسات، ولو رزقهم الله ببراق مجنح من السماء علقوا عليه ربطة عنق رمادية وأجلسوه على مكتب ضيق ثم وعدوه أن يحجزوا له مقعدا فى طائرتهم الممنوعة من الإقلاع. أقول، فليكن، إن كانوا يزعمون أنهم قادرون بمؤسساتهم ومكاتبهم وربطات عنقهم أن يحرروا مصر من الاحتلال الأمريكى ومن البندقية والهراوة، والخوذات السود والقبعات الحمر، فليفعلوا. وهذا أول امتحان لهم، فقد دخل كل من الإسلاميين والليبراليين البرلمان، وما دخلوه إلا لأن الناس صدَّقوا وعدهم أنهم سيأتونهم بحقوقهم ويدركون لهم ثأرهم من موقعهم الجديد. فالمطلوب من هذا البرلمان إذن، أن ينازع المجلس العسكرى سلطاته، وأن يطالب، لا بتشكيل الحكومة فحسب، بل بنقل صلاحيات رئيس الجمهورية إليه، وأهمها الصلاحيات الأمنية فيضمن أن لا يكون فى مصر مسلح بزى رسمى، أسود أو أخضر أو أصفر، يطلق النار على المدنيين فى اعتصاماتهم ويفقأ عيونهم ويدهسهم بمدرعاته ثم يتهم علاء عبدالفتاح بذلك كله.

 

ثم إن على هذا البرلمان أن لا يتنازل قيد أنملة عن حقه فى تشكيل اللجنة التأسيسية التى ستكتب الدستور، وأن لا يتنازل قيد أنملة عن تحجيم دور العسكر فى الدستور ليقتصر على حماية البلاد من الغزو الخارجى حصرا، فإننا فى زمان تحتاج فيه الشعوب أن تحمى نفسها من حماتها كما تحمى نفسها من غزاتها.

 

●●●

 

وأمام مجلس الشعب المنتخب احتمالان، الأول أن يتمسك بحقوقه وحقوقنا، فإن فعل فهو لا بد مصطدم بالمجلس العسكرى، ومضطر للجوء مرة أخرى إلى الشارع والميدان اللذين لم يكن يرى فيهما خيرا من قبل، وأن يستنجد نواب البرلمان بمن استنجد بهم فلم ينجدوه وتركوه للغاز والرصاص. ولا شك عندى أن الشعب الأكرم دائما سينجدهم وسينزل إلى الشوارع حماية لنوابه لكن ما أخافه هو أن يتراجع النواب والناس يُقتلون فى الشوارع فيقبلوا مرة أخرى بحل وسط، ويتوقعوا من الناس أن يكونوا شهداء تحت طلبهم مرة بعد مرة بعد مرة.

 

أما الاحتمال الثانى، فهو أن يخضع مجلس الشعب لمجلس العسكر، ويرضى بصفقة طال الكلام عنها فى الولايات المتحدة الأمريكية منذ شهر فبراير الماضى، وهى تقضى بأن يتقاسم الشعب المصرى والعسكر السلطة فى مصر، فكل ما كان استراتيجيا ومهما للولايات المتحدة، كالعلاقة مع إسرائيل والمناورات الحربية وصفقات السلاح والبترول والغاز وقناة السويس والموانئ والمطارات والطرق والمرافق والمحاصيل الاستراتيجية كالقمح والصناعات الاستراتيجية كالحديد والذخيرة فهو فى يد العسكر، وكل ما دون ذلك يترك للقوى السياسية المصرية تتنافس فيه عبر البرلمان. ويلحق بهذه الصفقة المحلية صفقة أخرى إقليمية، حيث تسمح الولايات المتحدة لما تسميه هى بالإسلام المعتدل أن يحكم بلاد العرب مقابل تسليمها رأس ما تسميه بالإسلام المتطرف، وهو عندها إيران وحزب الله وحماس والجماعات التى تفجر أنابيب الغاز فى سيناء، كما تحب الولايات المتحدة تقسيم المسلمين إلى شيعة وسنة بَأْسُهُمْ بينهم لا على إسرائيل. ولا بد من الإشارة هنا أن الولايات المتحدة لا بأس عندها بالتطرف ما كان يتعلق بالحجاب والنقاب وتطويل اللحى وتحريم الديمقراطية وكراهية الشيعة والمتصوفة والمسيحيين ثم هو يبيعها النفط بالثمن البخس وينهى الناس عن مقاومة إسرائيل، فهذا النوع من التطرف حليفها منذ خمسين سنة، إنما التطرف الذى تريد رأسه هو الإسلام الثورى الذى يهدد مصالحها فى الخليج والشام. وقد تُطَعِّم الولايات المتحدة الإسلام المهادن بليبرالية متفرنجة من باب التلوين لا تمت للحرية بصلة، فالولايات المتحدة تحب حرية فتاة بلهاء تتعرى، وتكره أن نملك حرية التصرف فى مالنا وأرضنا وسلاحنا.

 

فإن تمت هاتان الصفقتان، فبلادكم يا أهل مصر محتلة كما كانت، وكأن ثورتكم لم تقم، وكأن حسنى مبارك عاد بوجوه جديدة أكثر صحة وشبابا.

 

●●●

 

أقول، إن حرية مصر الآن موكلة بتشدد هؤلاء النواب وأن لا يداهنوا ولا يخافوا، وأن يفوا بالأمانة ولا يخونوها، ولهم من الناس الوعد أن لا نخذلهم ما لم يخذلونا، وأن نوليهم ونتولاهم ما لم يتولوا عنا، ولنا عليهم أن يطلبوا ملك مصر كله، أن يطلبوا مصر كلها، فهم نواب الشعب ومصر كلها للشعب وليس منها ذرة رمل واحدة للولايات المتحدة وحلفائها.



اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=06122011&id=f3a4078d-874c-4770-88f2-708e146c1d58