قصر الرئاسة الجديد

الشروق

الثلاثاء 3 يناير 2012 - 9:07 ص

 

ليست الدولة إلا ذلك الجزء من المجتمع الذى يحتكر استخدام العنف، وفى مساء الجمعة الثامن والعشرين من يناير الماضى لم يكن فى مصر من يستطيع احتكار استخدام العنف لصالح مبارك، الداخلية عاجزة عن إطلاق النار، والجيش عازف عن إطلاق النار، حتى لم يبق مع مبارك إلا بعض المأجورين على ظهور الخيل والجمال هاجم بهم عشرات الآلاف من الناس بعبثية وغباوة يحسد عليهما. كانت الدولة إذن قد هدمت، ولم يبق فى مصر من يستطيع أن يجبر أحدا على شيء. لذلك، وفى اللحظة التى سقطت فيها الدولة، وكان سقوطها أمرا عظيما وحميدا، توقعنا أن يلتقطها الثوار، فالثورة لا تكتمل فى أى بلد ما لم يسيطر الثوار على وزارات الداخلية والدفاع والإعلام سيطرة كاملة، بل وكان يجب عليهم أن يسيطروا على القصر الجمهورى ومجلس الشعب. وكان مستغربا جدا أن المصريين المجتمعين بالملايين فى ميدان التحرير، وهم على بعد أمتار من مبنى الإذاعة والتلفزيون ومبنى مجلس الشعب ومبنى وزارة الداخلية، عزفوا عن دخول هذه المبانى، وتركوا لنظام مبارك أن يختار طريقة خروجه، ويؤمِّن انسحابه.وقد كنت كتبت فى الثلاثين من يناير مقالا أرسلته إلى جريدة الشروق، وكان مقررا أن ينشر يوم الثلاثاء الأول من فبراير ولكنه لم ينشر، وقلت فيه إن هذا النظام لن يغادر السلطة ما لم يمسك به الثوار من عنقه إمساك الساقى بالإبريق وهو يصب، وحذرت من انقلاب عسكرى يزيح مبارك ويبقى نظامه.

 

وقد كثر اليوم من يلوم نفسه على أنه لم يقم بما يقوم به الثوار عادة من استيلاء على مقرات الحكم فى الدولة، لا سيما مقرات الأمن والعسكر، ويشير هؤلاء إلى أحداث العام الماضى كله كدليل على أن إصرار الناس على المكوث فى الميدان وعدم السيطرة على الحكم، أدى إلى سيطرة العسكر عليه، وهذه السيطرة بدورها وصلت إلى قتل النشطاء وفقء عيونهم واعتقالهم. كما يشيرون إلى صفقة محتملة بين القوى السياسية والعسكر، يكون للعسكر فيها السيادة الحقيقية على البلاد، من دفاع وخارجية وبترول وقناة سويس وغيرها، ويكون للقوى السياسية ما دون ذلك، وهى صفقة يبدو أن كل القوى السياسية قابل بها، إنما خلافهم تنافس بينهم فيمن يعقدها مع العسكر دون الآخر. وهذه الصفقة تعنى فيما تعنيه، بقاء المؤسسة العسكرية والأمنية التى تقتل الناس وتفقأ عيونهم فى مكانها، وبقاء ارتباطها بالولايات المتحدة تدريبا وتسليحا وتمويلا، أى بقاء تبعية البلد للأجنبى وتعرض ثوارها للتصفية والانتقام.

 

إلا أننى اليوم أجد منطقا فى عزوف الناس، وأعتقد أن قرار الناس بعدم الاستيلاء على مبانى الدولة ربما كان له منطق يبرره، ولا أعنى هنا إطلاقا الخوف على الدولة، فقد رأينا كيف هدمها الناس يوم الثامن والعشرين من يناير غير آسفين عليها، ولا كان خوفا من الدولة، فقد كانت الأعداد كما أسلفنا أكبر من أن يهددها أى جهاز أمن أو أى جيش. لم يكن خوفا من الدولة، ولم يكن خوفا عليها، إنما كان زهدا فيها. وهذا الزهد هو ما سوف أشرحه فى ما تبقى من هذا المقال، وسأبين كيف أنه، رغم غرابته، ربما يكون وسيلة ناجعة من وسائل السيطرة على الدولة ونزع السلطة من النظام السابق.

 

●●●

 

أقول إنه فى الربع الأخير من القرن العشرين فقد الناس ثقتهم فى الدولة الحديثة فى العالم العربى كوسيلة للتنظيم البشرى والنهوض الاجتماعى. فالثورات كانت قبل ذلك محاولة من فئات من الشعب أن تسيطر على الدولة، ثم تستخدم مؤسسات هذه الدولة كوسائل للتنمية والتحرر، أعنى أن العادة كانت أن يقوم الثوار بالسيطرة على الجيش ليحاربوا به الغزو أو يردعوه، وبالسيطرة على وزارة الصناعة والمصانع ليزيدوا بها الانتاج، وبالسيطرة على التجارة ليزيدوا موارد البلاد منها، إلى آخره. إلا أن الدول العربية كلها منيت إما بهزائم عسكرية أو بفقر مطبق أو بتبعية للأجنبى أو بكل ذلك مجتمعا. فالدول العربية حكمها إسلاميون وقوميون وشيوعيون وليبراليون، وتوزع الفشل على الجميع، فتبين لكثير من الناس أن هناك الخلل هو بنية الدولة الحديثة أصلا أيا كان الاتجاه السياسى الذى يحكمها. إن التناقض بين مصالح شعوبنا، ومصالح القوى الكبرى فى العالم كبير جدا، لذلك فإن دولنا لا يمكن أن تكون ديمقراطية فعلا دون أن تصطدم بهذه القوى، إلا أن الطريقة التى رسمت بها حدود هذه الدول، وحددت بها مواردها، وبنيت بها مؤسساتها، وأنماط التجارة والاستثمار التى قامت عليها اقتصاداتها، تجعلها أضعف من مواجهة كهذه. لذلك فإن كل ديمقراطية تراها فى هذه الدول، إنما هى ديمقراطية شكلية ترى فيها القوى السياسية تقدم وعدين متناقضين، أحدهما لأهل البلاد والثانى للقوى الدولية الكبرى، يعدوننا بالحرية ويعدون القوى الكبرى بالحفاظ على مصالحها. الوفد القديم وعد المصريين بالتحرر ووعد بريطانيا بالحفاظ على مصالحها، القوى السياسية ذات الأغلبية اليوم تعدنا بالتحرر والنهضة، وتطمئن الولايات المتحدة على الاقتصاد وعلى العلاقة بإسرائيل، حركة فتح تعدنا بالاستقلال وتعد إسرائيل بالأمن، إلى آخره.

 

لذلك، كان الحل، أن ينشئ الناس مؤسسات بديلة عن مؤسسات الدولة، كالميادين وحركات المقاومة تعصى الدولة، ولا تستطيع الدولة أن تعصيها. إنك لن تستطيع فى مائة سنة أن تبنى جيشا أقوى من الجيش الذى تشترى منه سلاحك، فكان الحل أن يقاتل الناس خارج الجيش، وتكونت المنظمات المقاومة فى عدة بلاد عربية، يعنى بدلا من أن يسيطر الناس على مؤسسات الدولة ثم يستخدموها لصالحهم، أختاروا أن يتجاهلوها ويبنوا هم مؤسساتهم الموازية التى تنفعهم، فقاتلوا خارج الجيش، فى لبنان والعراق مثلا، وتضامنوا اجتماعيا خارج وزارة الضمان الاجتماعى، فى مصر وفلسطين أيام انتفاضتها مثلا، فانتشرت بينهم الجمعيات والتعاونيات وشبكات الدعم الأسرى والجهوى، وأمنوا أنفسهم خارج وزارة الداخلية، عبر علاقات أهل الحى فى المناطق الشعبية بعضهم ببعض ما وفر شبكة أمان تعمل خارج الدولة ما لم تحاول الدولة اختراقها وإفشالها.. إلى آخره.

 

إن هذا الزهد يمكن أن يفسر عزوف المصريين عن الاستيلاء على الحكم فى أوائل فبراير الماضى،الدولة نفسها كمؤسسة بناها الاستعمار القديم وحافظ عليها الاستعمار الجديد، ولا يريد أحد أن يتورط فى قيادتها وما تفرضه عليه قيادتها من تنازلات وكذب مزدوج، فإذا سيطر عليها الثوار فسيكونون كالفارس الفذ يركب حصانا من خشب.

 

وكنت حين أكلم أصدقائى أيام الثورة، يقولون لى، ماذا بعد؟ ماذا يكون إذا أخذنا الإذاعة؟ أى بيان نقرأ؟ ما نصنع بهذه الدولة؟ لقد أدركوا، بتلقائية كأنها وحى أو فطرة، أن الدولة ورطة وفخ، وأن ضررها أكبر من نفعها، وأن عليهم أن يمارسوا السياسة من خارجها، وأن يحاصروها ليقللوا ضررها، وتطيعهم ولا يطيعوها. فكما تفرض المقاومة فى لبنان مثلا على الدولة اللبنانية الرسمية الحرب والسلم دون أن تكون المقاومة مقيدة بقيود الدولة اللبنانية من تبعية اقتصادية وانكشاف عسكرى وقانون دولى، كان ميدان التحرير، وما زال، يفرض على الدولة المصرية ما يريد دون أن يقيد نفسه بقيودها.

 

●●●

 

لقد رأينا كيف أن المتظاهرين فى الميدان كانوا يحصلون على جزء من مطالبهم بعد كل مليونية، هذا ناتج عن إدراك العسكر أن هذه الملايين الساكنة فى الميدان ربما تتحرك، وناتج أيضا عن إدراكهم أن هذه الملايين حتى إن لم تتحرك، فإن بقاءها بأعدادها فى الميدان، لو بقيت، يمنع الدولة التقليدية، دولة مبارك والعسكر من بعده، الدولة القاطنة فى مبانى الإذاعة والداخلية والدفاع، يمنعها من أن تمارس الحكم، بل يجبرها أن تمارس الطاعة، عاجلا أو آجلا يقبل القصر برأى الشارع، لأنه لن يستطيع فرض أى رأى آخر، وكأن الميدان هو قصر الرئاسة الجديد.والدولة الطاعة، فإن كانت تطيع ولا تطاع، فقد هدمت، وحلت محلها دولة القوم الذين تطيعهم، دولة الميادين.

 

وكما أن المجتمع الذى أنس من نفسه أنه يقدر أن يعيش خارج الدولة تماما استطاع أن يملى على الدولة أفعالها، فقد أستطاع أن يملى عليها شكلها كذلك، إن الناس إن أرادوا أن يستقيل حكام البلاد، ما عليهم إلا أن يعقدوا مليونية فى الميدان كل يوم لمدة أسبوع، وأن يهددوا بأنهم ربما تحركوا فى الشوارع، فإن هؤلاء الحكام سيستقيلون مهما امتلكوا من سلاح، دون أن يمارس أى واحد من المتظاهرين أى درجة من درجات العنف. إن العدد وحده كافٍ لإثناء الحاكمين عن استخدام القوة المسلحة. كما يستطيع المتظاهرون أن يفرضوا انتخابات رئاسة الجمهورية فورا إن أرادوا، فيضمنوا بذلك أن هناك قوة ما فى الدولة الرسمية تستطيع إقالة العسكر بدلا من اضطرارهم هم أن يقفوا فى الميادين بالأيام. فإن عارض العسكر الرئيس الجديد حماه النازلون إلى الشوارع وكذلك يستطيع الناس أن يفعلوا مع كل قرار يتخذه الحكام، فالحاكم إذا كان مضطرا أمام الولايات المتحدة، فإننا نجبره أن يكون مضطرا أمام ميدان التحرير كذلك، واضطراره لميدان التحرير أكبر، لأن المسافة بين الميدان وبين قصره أقصر بكثير من المسافة بينه وبين واشنطن والبنك الدولى وتل أبيب.

 

أما من يقول إن البرلمان قد تكوَّن وهو ينوب عن الناس، فهو صحيح إن قدر البرلمان أن يحمى الناس من القتل وفقء العيون، وهو لن يستطيع ما لم يواجه، وهو لن يستطيع أن يواجه بدون سند الميادين.فالأولوية للناخبين لا لنوابهم وإذا اجتمع العشرون مليون إنسان الذين أجتمعوا أيام الثورة فى الميادين، فإنهم هم أنفسهم الهيئة الانتخابية.

 

●●●

 

إن الثورة المصرية تستنزف قدرة الدولة على المراوغة، وتروض الدولة لتعود مركبا للناس لا راكبا عليهم كما يجب للدول أن تكون. إنما جهاز الدولة هو جهاز خدمة، علاقته بالناس علاقة الخادم بالمخدوم، لا أكثر ولا أقل.

 

فى الخامس والعشرين من هذا الشهر إذن سينتهى حكم العسكر، حتى وإن لم يقترب الناس من المبانى، وظلوا معتصمين بأعدادٍ كبيرة، وسيدوم حكم العسكر إن نزل الناس للاحتفال ثم عادوا إلى بيوتهم، وكالعادة وسأقتبس هنا عنوان مقال كتبته عن الثورة فى مصر قبل موعد الثورة بأشهر، كالعادة: «الأمر بيدهم»



اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=03012012&id=dda939f4-48e3-4c53-ab00-ece2d62ca30e