يا له فتحا لو أن له

الشروق

الثلاثاء 31 يناير 2012 - 9:12 ص

 

سأجازف بالقول إن المجلس العسكرى على وشك الخروج من السلطة لو لم يتخاذل السياسيون، وإنه لن يبقى فى الحكم بعد اليوم إلا إذا أراد الآخرون إبقاءه. إن ميزان القوة المادى على الأرض اليوم مائل فى اتجاه الناس ميلا عظيما. والقوة الحقة هى التى تفعل مفعولها قبل أن تمارس. لقد سقط مبارك قبل أن يدخل الناس عليه قصره لأنه كان يعلم علم اليقين أنهم قادرون على دخول قصره، واليوم يعلم المجلس العسكرى أن الناس قادرون على أن يملأوا الشوارع والميادين فيستحيل عليه أن يحكم البلد. وهو يعلم أنه لو بقى فى الحكم فسيبقى عدد صغير من المتظاهرين يكدر عليه حياته فإن فضهم بالعنف عاد له مئات الآلاف إلى الشوارع، وأنهم يزيدون مع كل عملية فض ومع كل طلقة خرطوش وقنبلة غاز، وهو يعلم أنهم ما عادوا يكتفون بالثبات فى ميدان التحرير، بل يتحركون فى مسيرات نحو مبانى الدولة الحيوية، فهو إن واجههم زادت أعدادهم، وإن لم يواجههم زادت أعدادهم أيضا.

أدرك الحاكمون أن أهل البلد يرفضونهم رفضا عاما، وهذه حال يستحيل معها أن يحكموا. إن المظاهرات الكبرى التى جرت فى ذكرى الثورة الأولى بينت أن ما يسمى بحزب الكنبة محض خيال، وأن لكل معتصم فى الشارع ألفا يساندونه فى البيوت وسينجدونه لو تعرض للخطر، وأن الخطاب القائل بأن الناس قد كرهوا الثورة وملوها ما هو إلا وسيلة من وسائل الحرب النفسية التى يشنها إعلام النظام عليها، وأن ثنائية الثوار والشعب غير قائمة، وأننا ما نزال أمام شعب ثائر لا شعب وثوار. والصراحة هى أن هذه الحقائق كانت واضحة منذ أحداث محمد محمود، حين اعتدت قوات الأمن والجيش على بضع عشرات من المصابين أمام مبنى المجمع فتداعت لهم البلاد كلها من البحر المتوسط حتى حدود السودان، ولم يعد الناس إلى بيوتهم إلا حين عجزت القوى السياسية عن تقديم قيادة ميدانية وبديل سياسى لهم، وبدأت الانتخابات فقرر الناس أن يختاروا مجلسا للشعب ينوب عنهم فى المطالبة بحقوقهم. وما أن انتهت الانتخابات حتى عاد الناس إلى الشوارع، ولن تفلح انتخابات مجلس الشورى، التى لا يأبه لها أحد فى ردهم إلى بيوتهم هذه المرة.

●●●

وعودة الناس للشوارع ليست قدحا فى مجلس الشعب بل هى تحصين له، فلو أنه اجتمع يوم الخامس والعشرين وأعلن خلع المجلس العسكرى، لما استطاع المجلس العسكرى أن ينزل دبابة واحدة إلى الشوارع ولا أن يقبض على نائب واحد من بيته ولبقى الناس فى الميادين حتى يتمكن مجلس الشعب من الحكم. وحتى هذه اللحظة، إذا أراد مجلس الشعب أن يخلع المجلس العسكرى فإنه يستطيع، وإذا رد عليه المجلس العسكرى بشر، أى بانقلاب عسكرى، فما الناس عن الشوارع ببعيد. كذلك فإن نزول الناس إلى الشوارع كان تذكيرا لمجلس الشعب بأنهم انتخبوه ليقول قولهم لا ليقولوا قوله، وأن مجلس الشعب إن أراد أن يبقى العسكر فى أماكنهم فإن الناس سائرون إلى إسقاطهم شاء النواب أم أبوا. باختصار هذه الأعداد الكبيرة تقدر أن تحمى مجلس الشعب من العسكر ولا يقدر مجلس الشعب أن يحمى العسكر منها.

وكما فندت المظاهرات ثنائية الشعب والثوار وذكرت العالم بالبديهية التى كاد ينساها، وهى أن فى مصر شعبا ثائرا، فقد فندت ثنائية أخرى تقابل ما بين شرعية الميدان وشرعية البرلمان. إن الملايين الذى ملأوا مصر يوم الخامس والعشرين هم أكبر عينة ممكنة من الهيئة الناخبة، إن لم يكونوا هم الهيئة الناخبة كلها، كلهم ذهبوا للانتخابات، وأكثرهم اختاروا الأحزاب الإسلامية التى نالت الأغلبية فيه. هذا يعنى أن المواطن الذى صوت لحزب الحرية والعدالة هو نفسه الذى تظاهر لإنهاء حكم العسكر. إن الناس يدركون أن مصالح البلاد والعباد، بما فى ذلك مصلحة الإخوان المسلمين تكمن فى الخلاص من الحكم العسكرى، ولا يرون سببا لقبول بعض الأحزاب ببقاء العسكر أو لقبولهم بتقاسم السلطة مع العسكر، اللهم إلا أن تظن الأحزاب بشعبها ضعفا، وتخاف إن هى اصطدمت بالعسكر أن يخذلها الناس، فنزل الناس بالملايين يقولون ها نحن وها هى قوتنا ولا داعى للخوف، نحن نحميكم.

وإن كان تقديرى صحيحا، فإن مشكلة المتظاهرين مع أحزاب الأغلبية ليست فى وصولها للسلطة، فإن أكثر هؤلاء المتظاهرين هم الذين انتخبوها، ووصولها للسلطة حقها المشروع الذى دفعت ثمنه دما من ثمانين سنة، ووصولها للسلطة مقلق لأمريكا وإسرائيل، وكل ما كان مقلقا لهذين فهو مطمئن لنا، ووصولها للسلطة يربط مصر بأمتها ومحيطها بعد محاولات النظام السابق أن يعزلها منذ كامب ديفيد، وأن تكون مصر عربية إسلامية هو أمر طبيعى، والغريب أن تكون غير ذلك. إنما المشكلة أن تقتسم هذه الأحزاب السلطة مع المجلس العسكرى الذى لا يطيقه الناس. وإن موقع مجلس الشعب اليوم كموقع بعض مرشحى الرئاسة أيام أحداث محمد محمود، أرادهم الناس قادة يخلعون المجلس العسكرى فإذا بهم يطلبون الوزارة فى ظل المجلس العسكرى، وكنت كتبت عندها أن بعض الناس سيكون بطلا لو طلب منصب رئيس الجمهورية ومتخاذلا لو طلب منصب رئيس الوزراء. المشكلة البعض مع جماعة الإخوان المسلمين ليست خوفا من وصول الجماعة إلى السلطة، بل خوفا من تفريط قيادة الجماعة فيها لصالح المؤسسة العسكرية، أى لصالح جهة مسلحة غير منتخبة تمويلها وتدريبها وسلاحها يأتى من الولايات المتحدة تحديدا.

وإن من المفارقات المرة أن كل القادة السياسيين إسلاميين وعلمانيين فى مصر بل وبعض اللامعين من الشباب يبدون كمن لا ثقة عنده فى قدرة الشعب المصرى على إسقاط نظام الحكم، تحديدا فى السنة التى أسقط الشعب المصرى فيها نظام الحكم، فلا مرشح الرئاسة المذكور جرؤ على خلع العسكر فى الميدان، ولا حزب الأغلبية البرلمانية جرؤ على خلع العسكر فى البرلمان، لأن كلا الطرفين غير واثق فى أن الناس سيحمونه، فإن لم يؤمنوا بالناس هذه السنة، فبأى حديث بعده يؤمنون.

●●●

وأخيرا، فإن كثرة الأعداد فى الميادين فندت أيضا مقولة أن البلد منقسم بين إسلاميين وعلمانيين، وأن الإسلاميين يحالفون العسكر ويعارضهم العلمانيون، فعشرات الملايين الذين نزلوا إلى الشوارع فى كل محافظات مصر انتخبوا الإسلاميين وتظاهروا ضد العسكر. هى رسالة لقادة الأحزاب الإسلامية، ما لكم تتصرفون تصرف الضعيف ووراءكم من الناس من وراءكم، وما لكم تتقاعسون عن تنفيذ ما انتخبكم الناس من أجله، وهو أن تخلصوهم من حكم عسكرى يطلق النار على العيون ويكشف عورات النساء فى الشوارع ويتبول على رءوس العباد. وإن قلتم إنكم ستصبرون ستة أشهر أخرى فهل تضمنون أن لا يسفك العسكر فيها دما، وهل تضمنون ألا يسفك الدم خصيصا ليورطكم وليظهركم بمظهر الشريك، فإن الدم الذى سيسفكه وأنتم فى الحكم غير الدم الذى سفكه وأنتم فى بيوتكم، سيحملكم المسئولية معه، وسيحملكم الناس مسئولية خذلانهم.

لذلك فمجلس الشعب مدعو لخلع المجلس العسكرى، فإن لم يفعل، وهو لن يفعل، فليصدر قانون الانتخابات الرئاسية، وليعلن عن فتح باب الترشح فيها، فإن لم يفعل، فليتحمل تبعة الناس فى الشوارع. انتخبناه ليحمينا لا ليهدئنا.

يا قادة البلاد أنتم على بعد أيام من النصر فلا تضيعوه ولا توكلوا به من ليس له أهلا، ولا تتبرعوا بنصف ملك مصر لمن لا يحق له منه شىء.

 

 

 

 

 

 



اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=31012012&id=80b4c3be-dd95-4190-8212-d34f2b97b45b