أقوى طرف فى المعادلة

الشروق

الإثنين 23 أبريل 2012 - 7:10 م

كتبت منذ أسبوعين أقول إن الثورة كانت بين خيارين هما الاحتواء والقمع. أما الاحتواء فمعناه أن تؤدى الثورة المصرية إلى تقاسم السلطة بين الشعب المصرى والولايات المتحدة، فكل ما هو معيشى فهو من نصيب من ينتخبهم الشعب، وكل ما هو استراتيجى فهو من نصيب من تتحكم فيهم الولايات المتحدة، وأما القمع فمعناه أن تكون الشؤون المعيشية والاستراتيجية كلها فى يد حلفاء الأمريكيين والإسرائيليين فى مصر بلا تقاسم مع أحد كما كان الوضع أيام مبارك بل وأشد. وقد كان كل من خيرت الشاطر نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين وعمر سليمان النائب السابق للرئيس المخلوع ورئيس مخابراته مرشحا للرئاسة. وقلت إن خيار الشاطر كان خيار الاحتواء، ومعه الحزب الديمقراطى الأمريكى ومؤسسة الرئاسة الأمريكية ووزارة الخارجية، وإن خيار سليمان كان خيار القمع ومعه الحزب الجمهورى الأمريكى واللوبى الصهيونى فى الولايات المتحدة. وكتبت منتقدا وجود وفد من جماعة الإخوان المسلمين فى واشنطن يحاول إقناع بعض النافذين فيها بسياسة الاحتواء، وقلت إن مُلك مصر يؤخذ من شوارع القاهرة وميادينها لا من قاعات الرخام فى العاصمة الأمريكية، وإنه من الممكن هزيمة مشروعى الاحتواء والقمع معا، وإن الوضع فى مصر والإقليم والعالم اليوم، يجعل تحقيق الاستقلال التام لمصر ممكنا بلا مساومات.

وقلت إننى ما أزال أرجو الخير من جماعة بنيت على مقاومة الاستعمار البريطانى وأرسلت متطوعين لمقاتلة العصابات الصهيونية فى فلسطين عام ثمانية وأربعين وبنت شعبيتها ومحبوبيتها بين الناس على معاداة الولايات المتحدة وإسرائيل، كما قلت إن الحل هو فى التشدد والتوحد والتحضير للنزول إلى الشارع ورد السلطة إليه.

●●●

إن نزول الناس إلى الميدان يوم الثالث عشر من إبريل، لا إرسالهم الوفود إلى واشنطن، هو الذى أدى إلى استبعاد عمر سليمان من السباق الرئاسى. إن حجم الحشود فى ميدان التحرير ذلك اليوم أقنع كل من يراه، وثمة من يراه فى واشنطن، كما فى وزارة الدفاع بالعباسية، أن تزوير الانتخابات الرئاسية لصالح عمر سليمان سيستحيل معه حكم البلد. فحتى الجمهوريون واللوبى الصهيونى فى الولايات المتحدة لم يعودوا قادرين على إقناع أحد هناك بمشروعهم، فلا أحد عاقلا يريد أن يغضب هذه الحشود. وإن قرار الجماعة النزول إلى الميدان، والحق يقال، كان أصوب ألف مرة، من قرارها إرسال وفد إلى واشنطن.

ولما كان عمر سليمان مرشح العسكر الأساسى، وشفيق مرشحهم الاحتياطى، ولما أدركوا، أو طلب منهم حلفاؤهم الأمريكيون أن يدركوا، أن عمر سليمان لم يعد خيارا عمليا، قرروا أن لا يخسروا وحدهم، وأن ثمن استبعاد سليمان هو استبعاد مرشحى الأخوان والسلفيين. فإن كان العسكر سيدخلون الانتخابات بمرشحهم الاحتياطى فليدخل الإخوان الانتخابات بمرشحهم الاحتياطى، وكلا الاحتياطيين نال من تعليقات الشباب اللاذعة قبل الترشح وبعده ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا أظن أن لأى منهما فرصة حقيقية فى الفوز بلا تزوير.

وأغلب ظنى أن العسكر اتخذوا قرارهم واضعين فى الاعتبار رد فعل الإخوان المسلمين والسلفيين عليه. فقد علموا أن الاحتجاج لن يكون إلا مظاهرة كبرى أخرى تبقى فى الميدان، ولا تتحرك للسيطرة على مبانى الدولة واستكمال الثورة بالطريقة الكلاسيكية، بل ولا تستمر فى الاعتصام بالملايين فى انحاء البلاد بما يجبرهم على التنحى. بعبارة أخرى، يرى المجلس العسكرى، أن المظاهرات الكبرى إنما هى إنذار بثورة، ولكنها ليست ثورة فى حد ذاتها. وإن كان الأمريكيون يصدقون إنذار الشارع، فإن قليلا من العسكر يصدقونه. كذلك فالمجلس العسكرى يدرك أن إجماع الناس على النفور من سليمان، لا يوازيه إجماع على القبول بالشاطر، فالناس سيثورون يقينا إن حكمهم سليمان، ولكنهم لن يثوروا بالضرورة إذا لم يحكمهم الشاطر.

ولو أن قيادة الإخوان المسلمين كانت قد استغلت السنة الماضية فى تعزيز شعبيتها بين الناس، وبناء قاعدة تحالفات عريضة تعزز الوحدة الوطنية، وأنجدت الملهوف فى محمد محمود، وسترت العرض فى القصر العينى ثم تقدمت بمرشح رئاسى منها، بل ومن قياداتها التاريخية، يكون مقبولا لدى القوى السياسية الأخرى، وبنت حوله إجماعا وطنيا، لما استطاع العسكر استبعاده، ولنزل الناس إلى الشوارع مطالبين بتنصيبه رئيسا بنفس الحدة التى نزلوا بها إلى الشوارع مطالبين بخلع مبارك واستبعاد سليمان. وقد كان مثل هذا الرجل موجودا فى صفوف الجماعة، محبوبا من الناس داخلها وخارجها، وأنجد وأغاث وستر، وكان حصانَها الأربح وميزانَها الأرجح، ولكنها فصلته، لصالح يوسفها ولقمانها.

●●●

وأزعم أن خوف العسكر والأمريكيين من هذا المرشح الذى لا أسميه، هو الذى دعاهم للتلويح بتأجيل الانتخابات الرئاسية.

وأظن أن الأمريكيين والعسكر سيحاولون جس نبض من تبقى من مرشحى الثورة، ليروا إن كانوا يقبلون بصفقة الاحتواء التى عرضها عليهم وفد الإخوان من ثلاثة أسابيع. وأعتقد أن المرشحين لن يقابلوهم ولن يعطوهم ما يريدون، فليس بالقوم إليهم حاجة. وهؤلاء المرشحون، ومنهم المرشح المشار إليه آنفا، على عكس البعض، يعرفون أن ميدان التحرير أقوى ألف مرة من المكتب البيضاوى، وأنا أتمنى على مستشاريهم أن يتشددوا، فقبلة البيت الأبيض سامة، والطريق إلى قصر القبة يمر بميدان التحرير دون غيره من ميادين العالم. وهذا الكلام وإن بدا عاطفيا فإنه مبنى على ميزان قوة شديد الواقعية، وهو لصالحنا، من لم يتشدد اليوم، لن يتشدد أبدا، ومن لم يأخذ كل ما يريده اليوم فلن يأخذ شيئا غدا.

وهنا كانت فائدة الجمعة الثانية، جمعة العشرين من إبريل، فتكرار الحشد العظيم من الناس، فى رأيى، سيجبر المجلس العسكرى على التفكير ألف مرة قبل تأجيل الانتخابات. إلا أن هذا لن يعنى امتناعه عن محاولة عرقلتها بكل الوسائل، خاصة إذا لم يستطع عقد صفقة مع من تبقى من مرشحى الثورة. لذلك، فأنا أكرر هنا ما كتبته فى المقال الماضى، بأن علينا أن نستعد لكل الاحتمالات، وأن نستمر فى محاولات الوحدة الوطنية ولم الشمل. وقد بدأت جمعة العشرين من إبريل بداية مبشرة فكانت أول جمعة تشارك فيها كل القوى الوطنية منذ جمعة الثامن من يوليو، إلا أن اليوم انتهى نهاية محزنة بسبب تصرفات صبيانية قام بها بعض الأفراد الذين لا خلاق لهم، والذين هم أضر على الثورة من أعدائها بغبائهم الفريد من نوعه، والاستفزازات المتبادلة لا تفيد أحدا وكذلك السباب والشجار ورمى الأحجار. لذلك فإن علينا أن نحذر من تكرار مثل هذه الأخطاء، وأن يعزل كل طرف سفهاءه، وأن نستمر فى بناء الإجماع الوطنى حول قيادة موحدة، إما أن تحكم البلاد من قصر القبة محمية بصناديق الاقتراع، أو أن تحكم البلاد من ميدان التحرير محمية بصدورنا، قيادة إسلامها غير طائفى، وديمقراطيتها غير تابعة، وعدالتها الاجتماعية غير شمولية. وإننا قادرون على ذلك، لأنه فى الظرف المصرى تحديدا، وفى هذه الأيام تحديدا، سيبقى الشعب المصرى، ما لم ينقسم على نفسه، أقوى طرف فى المعادلة

 
 
 



اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=23042012&id=3dffab1c-5b06-4a75-90d6-0baccdc11ef1