رسالة

الشروق

الثلاثاء 22 مايو 2012 - 8:37 ص

 

لم يكن لمصر حاكم منتخب ذو سيادة قط، والسيادة هى التحكم فى السلاح الذى بالبلد لا غير، إن لم تحكم السلاح حكمك السلاح. إن سيطرة الرئيس المنتخب على السلاح هى الضمانة الوحيدة لكيلا يستخدم هذا السلاح ضده، إما بجعله دمية فى يد المسلحين، أو بانقلاب عسكرى عليه، أو بمعاقبة الشعب الذى انتخبه، فتهاجم الكنائس والمساجد ويقتل الناس فى الشوارع وتختلق الأزمات ليبدو الرئيس عاجزا عن حلها وتحترق ورقته فى أعين ناخبيه. ألم يكن هذا ما حصل لرئيس وزراء اختاره الميدان ثم لمجلس شعب اختاره الصندوق حين قرر كل منهما أن يتعقل وأن يلتزم بالقانون بدل الثورة، وأن يحصل لمصر على سلطة حكم ذاتى لا على استقلال حقيقى. أيها الرئيس القادم، السلاح السلاح، والحكيم من اعتبر بغيره.

 

كذلك فأنا أريد رئيسا يخرج مصر من حلفها الاستراتيجى مع الولايات المتحدة الأمريكية وينهى اتفاقية السلام مع إسرائيل، ويعلم أن إنهاء اتفاقية السلام لا يعنى الحرب، وأن الحرب لو وقعت فستخسرها إسرائيل، ويعلم أن القول بالانتظار حتى تبنى مصر نفسها باطل، فقد بُنى الجيش المصرى فى ست سنوات بين النكسة والعبور وهو يحارب، ثم مرت ثلاثون سنة من السلام، فهل بنت مصر نفسها فيها؟ وهل كانت الولايات المتحدة وإسرائيل ستسمحان لمصر أن تبنى نفسها خلال هذه المدة؟ فهل إذا مددنا فترة السلام سيسمح لنا ببناء قوتنا؟ فإن قررنا أن نبنى قوتنا على الرغم من أمريكا وإسرائيل، ألسنا إذن فى حال مواجهة لا يستقيم معها السلام بيننا؟ إن هذا السلام سلام من طرف واحد، إسرائيل تساعد جنوب السودان على الانفصال وتتعاقد لبناء السدود على النيل وتقتل من العرب من تقتل فتقتل معهم مكانة مصر فى الإقليم وقيمتها الاستراتيجية فى زمن السلام.

 

إذن أريد رئيسا يرتكب جنونين، جنون الخلاص من الحكم العسكرى والدولة العميقة وآلة الاستبداد، معتمدا على جموع الناس، وجنون انتزاع استقلال مصر من التبعية للولايات المتحدة والارتهان لإسرائيل.

 

لا يوجد بين المرشحين لرئاسة الجمهورية اليوم من يعد بذلك كله، ولكن بعضهم فقط هو الذى يقدر موضوعيا عليه، إن المرشحين الذين يقدرون على ذلك هم الذين يتنوع أنصارهم فلا يكونون من فئة واحدة، فيؤيدهم إسلاميون وقوميون وليبراليون وشيوعيون ومستقلون. إنك إذا انتخبت رئيسا لا يؤيده إلا الإسلاميون، فسيتكتل ضده كل العلمانيين، فيستعين العسكر بهم عليه، أو يستعين هو بالعسكر عليهم، فيكون العسكر حاكمين فى الحالتين، وإذا انتخبت رئيسا من العلمانيين فإن كل الإسلاميين سيتكتلون ضده، فيستعين العسكر بهم عليه، أو يستعين هو بالعسكر عليهم، فيبقى العسكر حاكمين فى الحالين. أما هذا الذى يُجمع عليه الناس فلن يستطيع العسكر أن يستعينوا عليه بجماعة دون أن تنشق على نفسها لأن له فيها أنصارا. أما هو فلا يعقل أن يستعين بالعسكر على جهة أو جماعة، لأن له أنصارا فى كل جهة وجماعة. هذا إذن حلف العزَّل الذى عملنا له ونادينا به منذ سنة ونصف، هذا حلف الكثرة العزلاء على القلة المسلحة، وكذلك بدأت الثورة وكذلك تكتمل.

 

●●●

 

يبقى إذن السؤال، هل يريد هذا المرشح أن يرتكب الجنونين؟ الحق أننى لا أعلم، ولا أضمن، ولا أقدر أن أعد الناس ولا نفسى أنه سيفعل. الظرف الموضوعى يتيح له أن يفعل، ولكن الظرف الموضوعى كان متاحا للإخوان المسلمين منذ الثورة وكان متاحا لمحمد البرادعى أيام أحداث محمد محمود، ولم يستغل الإخوان المسلمون ولا البرادعى ذلك الظرف، ولا تقدموا لإنقاذ البلاد والعباد، بل ترددوا فخسروا. لذلك أتمنى بحرقة ألا يقع الرئيس المنتخب فى أخطاء من سبقوه، ولا يكون عصام شرف آخر، ولا كتاتنيا آخر، ولا برادعيا آخر، يا رعاك الله فلتجن، فالجنون اليوم عين العقل، والعقل اليوم عين الجنون. ولا أملك إلا أن أكتب له ما يلى:

 

إعلم أعزك الله، أنك أصبحت مرشحا بدماء الناس وعيونهم، فأعطهم ما تساويه دماؤهم وعيونهم، ولا تبخسهم حقهم. كن نفسك، فقد عرفك الناس شجاعا، واعلم أن شعبك أكثر منك شجاعة وتهورا، فلا تطع فيهم من يقلل قدرهم بحجة الخوف عليهم، لا تطع من ينصحك بالرهبة والتعقل، واسأل نفسك حين تأتيك نصائح المخابرات وأجهزة الأمن والعاملين فى القصور، هل كنت ستنال فرصة للحكم لو أن الناس الذين نزلوا إلى الشوارع منذ عام تعقلوا؟ قد آليت على نفسى أن أمدح الفدائيين لا الحكام، فكن فدائيا تَسلم، فكثيرا ما كانت السلامة فى الإقدام والهلاك فى الإحجام.

 

لا تتنكر لنفسك، واعلم أن هويتك رصيد لك، لا عبء عليك، لك أنصار من كل مشرب، ولكن أنت ابن هذه الثقافة ووريثها، أنت وريث النقوش فى المساجد والبحة فى أصوات المؤذنين، أنت وريث هذه الأزقة المزدحمة بالناس والبخور والأدعية، أنت وريث الأزهر تتظاهر عمائمه ضد خوذ الجنود، أنت وريث المتصوفة والحرافيش يلقون الغزاة بعريهم وبالحجارة إذا انهزم المماليك، أنت وريث الدم فى مصر والشام والعراق. واعلم أنك حين تملك هذه الرقعة من بلاد المسلمين، ترتفع إليك عيونهم فى مشارق الأرض ومغاربها، واعلم أن أمة المسلمين لا تقتصر عليهم، كل من وضع يده فى يدهم ودمه مع دمائهم وحارب عدوهم فهو فى الصميم منهم، له دينه ولهم دينهم، بهذا قضت صحيفة المدينة وكل شريعة وقانون وعرف، فأمتك فيها المسلم المصرى والمسيحى المصرى والفلسطينى والعراقى والعربى والكردى والتركى والفارسى، وفيها كل مظلوم من تخوم الصين حتى المغرب الأقصى، لا تظنهم عبئا عليك، بل هم سند لك وقوة بين يديك، وهم أنس قلبك ونور عينيك.

 

لا تتنكر لنفسك، ولا تتردد فيما تعرفه من الحق، فما اخترناك لتردد، وما تعرفه من الحق هو أن من غزا بلاد المسلمين وقتل أولادهم عدو المسلمين جميعا لا عدو من غزا منهم فحسب، وأن حربه واجبة وسلامه حرام، وإن نصحوك بالتأجيل، فاذكر أن من سالمه من جيل لجيل لم يزد إلا ضعفا، وأن من حاربه من عربى وعجمى ازداد قوة واسترد أرضا وكرامة. وأعلم أنك ستشهد حربا لا محالة، إذ أننا منذ ستين سنة لم تنقض فى منطقتنا ثمانى سنوات بلا حرب، وهى حرب إن حايدت فيها خسرت، وإذا انحزت للحق فيها نصرت والله مولاك ولا مولى لعدوك.

 

وختاما، تخيَّر ناصحيك، فلا تستشر من يحتاجك، ومن لا عمل له إلا أن يكون مستشارك وصاحب خبرك، ومن يراهن عليك ليكسب من ورائك، ولا تعنيه فائدتك إلا بقدر ما يستفيد منك، لا تستشر من يريدك للمكانة، ويجعلك رهانه، يكون معك فى المكسب وعليك فى الخسران. إن أنصح الناس لك أغناهم عنك، وأرفقهم بك أشدهم عليك، وأكثرهم حبا لك أزهدهم فيك، من لا يحتمى بك وهو يحميك، ويجديك ولا يستجديك، ولا يطمع فيك ولا يخافك، ولا يدعوك لإنكار ذاتك ليبرز ذاته أو ذاتها، واعلم أن الجيش والمخابرات بل الدولة كلها أداتك فلا تكن أنت أداتها. وإياك أن يستخدمك من تستخدمه، ويعلم ما لا تعلمه، وتخونك يده إذا وفى لك فمه. ولا تصدق من يزعم أنه يؤيدك بلا شرط، فإن شرطه منفعته وإن سكت عنها، وصدق من يؤيدك بشروط يبديها، فهو أصدق له وأوفق لك، وقد علمتَ أن النبى لم يبايعه الناس إلا بشروط، وإن كانت اجتمعت لك الأحزاب بشروط كثيرة تخصهم فاعلم أن الأمة كلها تختارك بشرط واحد يعمها، سبق تفصيله وهذا إجماله: صدق قوتك لا ضعفك، ولا تصالح، وخذ حق الدم، ثم السلام عليك.



اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=22052012&id=b0b65615-7bf9-4bc3-b542-ad39792c4476