النصـــــــــــــــــــر

الشروق

الإثنين 18 يونيو 2012 - 10:26 م

 

كتبت هذا المقال يوم الأحد 30 يناير 2011، وأرسلته إلى جريدة الشروق لينشر يوم الثلاثاء 2 فبراير، ولكن حالت الظروف دون نشره. ورأيت مناسبا أن أعيد نشره اليوم:

«هذه الثورة المصرية، إن شاء الله، ستغير وجه الأرض، وهى من أهم ثورات العالم، وستوضع فى نفس الخانة مع الثورة الفرنسية والروسية والإيرانية، من باب تغييرها لموازين القوى على هذا الكوكب كله. وأنا لا أبالغ أبدا، فتغيير النظام فى مصر، تغييرا حقيقيا لا صوريا، يعنى أن تعود مصر أقوى مما كانت فى أية لحظة من تاريخها الطويل، فالشعب المصرى سيحكم بلاده مباشرة وبدون وسيط للمرة الأولى منذ كانت مصر، فقد توالى على مصر حكام محبوبون ومكروهون ولكن لم يكن لها حاكم ذو سيادة منتخب انتخابا ديمقراطيا من شعبها قط. لا توجد اليوم قوة على وجه الأرض تستطيع أن تجبر الشعب المصرى على شىء، فالشرطة القبيحة انهزمت ولن يخافها أحد سواء عادت أو لم تعد، والجيش لا يطلق جنوده النار حتى وإن كانت قياداته تبدو إلى الآن موالية للنظام، وأعداء المصريين فى أمريكا وإسرائيل غير قادرين على التدخل لحماية عملائهم. فالسلطة الآن كل السلطة للناس فى شوارع مصر. سيكون لمصر زمن، هو على بعد أيام من الآن، أجمل من أى زمن جميل مضى.

●●●

أما بالنسبة للعالم، فإن مصر القوية المستقلة عن الولايات المتحدة والمعادية لإسرائيل، تعنى فيما تعنى، خروج الشرق كله من السيطرة الأمريكية تماما كما خرجت أوروبا الشرقية من السيطرة السوفييتية منذ عشرين سنة. هذا الانهدام للنفوذ الأمريكى فى المنطقة، يهدد وجود إسرائيل نفسه، فلن يدور الكلام، لو تحررت مصر، عن انسحاب إسرائيل لحدود سبعة وستين، بل سيدور حول بقاء النظام الصهيونى فى فلسطين أو عدمه، ويهدد موقف الولايات المتحدة كقوة عظمى فى العالم من أساسه.

ولهذا، فقد انتابت الولايات المتحدة حالة من الهلع إزاء الثورة المنتصرة فى القاهرة، ومنذ بداية الثورة والرئيس الأمريكى مجتمع مع مجلس الأمن القومى، والإعلام الأمريكى يستضيف خبراء عسكريين يشيرون بأيديهم إلى الخريطة ويتكلمون كأنهم ضباط الاحتلال البريطانى فى القرن التاسع عشر عن أهمية قناة السويس والطريق التجارى بين أوروبا وآسيا، وطبعا عن إسرائيل.

ويبدو لى أن الولايات المتحدة قد وضعت خطة للالتفاف على هذه الثورة، وهى ستفشل لا محالة، بل قد لا توضع فى حيز التنفيذ إذا فضحت مبكرا، وأنا متيقن أن كثيرين قد فطنوا لها قبلى، لكن أحاول الإسهام بفضحها من هنا أيضا.

هناك دعوات فى دوائر صنع القرار الأمريكى لأن تحضر الولايات المتحدة لانقلاب عسكرى  ناعم فى مصر. فقد وجدت الولايات المتحدة بعد دراستها للأوضاع فى تونس، أن الجيش التونسى بعد أن كسب ثقة الناس لامتناعه عن قتلهم أستطاع أن يبقى الحكومة المؤقتة فى موضعها، وأن تكون ثمرة الثورة التونسية هى أن يرحل زين العابدين بن على، ليحل محله رئيس وزرائه الذى لا يقل عنه سوءا. طبعا أخواننا فى تونس ما زالوا يقاومون هذه الحكومة، ولكنها أيضا ما تزال  فى الحكم، بعد أن كان زوالها تحصيل حاصل بزوال بن على.

أما فى مصر،  فيبدو أن هناك رأيين فى الجيش، هناك جنرالات  مداخليهم عالية جدا وعلاقاتهم بالجيش الأمريكى وثيقة من حيث تدريبهم وصفقات سلاحهم ومناوراتهم المشتركة، وهناك الضباط والجنود الذين يشبهون سائر المصريين فى دخلهم وخلفيتهم الاجتماعية. أما الأولون الذين ظهروا فى شاشات التلفزيون المصرية مع الرئيس يبدوا أنهم مع استمرار النظام، وأما الآخرون فهم مع الشعب يشاركونه الشاى منذ أيام ولم يطلقوا عليه النار.

●●●

وهدف الخطة الأمريكية، هو إقناع الجنود والشعب باستلام بعض الجنرالات ذوى العلاقة الحسنة بالولايات المتحدة حكم مصر. وهذا الإقناع يكون بأمرين، الأول منهما هو قيام رجال الأمن والشرطة الذين هربوا من وجوه الناس بارتداء الملابس المدنية ونشر الفوضى والحرائق فى البلاد، ففى قبحهم إظهار لجمال الجيش. والأمر الثانى، هو قيام جنرالات الجيش الأغنياء بالتدخل ضد نظام الرئيس مبارك بدعم مرشح ما لخلافته يكون جنرالا محببا للولايات المتحدة. كان عمر سليمان هو الخيار الأمريكى الأول بسبب دوره فى حرب غزة واشتراكه فى حلف عسكرى مع إسرائيل، فلما أرسلت السفيرة الأمريكية فى مصر تقاريرها التى تفيد بأنه لن يكون مقبولا لدى الناس، أشاحت الولايات المتحدة عنه إلى جنرالات الجيش الأثرياء، وهذا ظاهر من المتابعة الدقيقة لوسائل الإعلام الأمريكى ومدحها لأن يتولى أحد هؤلاء الحكم. إن جنرالا منهم سيبدو بطلا ومنقذا حيث أنه يخلص مصر من رئيس مكروه ويعيد النظام والأمن إلى الشارع، ويدعو إلى تشكيل وزراة وحدة وطنية، وبعد هدوء البلد يستطيع أن يستمر فى سياساته الخارجية الموالية للولايات المتحدة، والتى تبدأ باستمرار السلام مع إسرائيل وتنتهى بالرجوع عن كافة التسهيلات الديمقراطية الداخلية التى يكون هذا الجنرال قد منحها أول الأمر للقوى السياسية المصرية. باختصار، يأتى انقلاب عسكرى، يعيد الناس إلى بيوتهم، ويضع الإخوان والمعارضة فى الحكم فى السنة الأولى ويضربهم فى السنة الثانية.

لكن هذه الخطة الأمريكية يمكن هزيمتها، ومفتاح ذلك هو إدراك الفرق بين جيش الجنود والضباط وبين هؤلاء الجنرالات المتحالفين مع أمريكا، فإن الأوامر المعطاة للجنود أمام مبنى التلفزيون مثلا هى أن يحرسوه، وأن يقتلوا من يقترب، وهؤلاء الجنود الذين هم أبناء الناس وإخوانهم  لا مصلحة لهم أن  يفعلوا، خاصة إن كانوا يواجهون أعدادا بمئات الآلاف. فإذا أراد الجماهير فى ميدان التحرير أن يزوروا مبنى ما من مبانى الدولة، كمجلس الشعب على سبيل المثال لا الحصر، ويضعوا فيه من يختارون فإن هؤلاء الجنود لن يطلقوا النار ولن يمنعوهم وإن صدرت لهم الأوامر بذلك.

●●●

أنا أكتب هذه السطور يومى الأحد وصباح الاثنين، ولقد مر يوم السبت ومصر لا شرطة فيها، وجيشها لا يطلق النار على الناس، وفى ميدان التحرير نصف المليون من الناس على بعد خطوات من مجلس الشعب ورئاسة الوزراء ومبنى الإذاعة والتلفزيون ووزارات كثيرة، لكن بقى كل فى موقعه.

باختصار، إن تشكيل حكومة إئتلاف وطنى فى ميدان التحرير من قادة المعارضة تقود الناس وتسيطر على الدولة قبل أن يقوم الجنرالات بالتقاط انفاسهم يضمن أن يبقى النظام المصرى الجديد مدينا للشعب الذى أتى به، أما إذا أتى جنرال من الجيش ينقلب على مبارك، فإنه لا ضمانة أن يعيد السلطة للناس، وأن لا يصبح هذا الجنرال مبارك الثانى، يطيع الناس فى السنة الأولى ويخونهم فى الثانية.

إن هذا النظام من الثلامة  والغثاثة التى يقال لها بالعامية التلامة والغتاتة بحيث لن يستقيل لأنه استحى من الناس، لن يخرج هؤلاء الحكام ما لم يخرجهم الناس بأيديهم، وأعنى أن يمسكوا برقابهم حقا لا مجازا إمساك الساقى بالإبريق حين يصب، ثم يأخذوهم إلى حيث يستحقون.

أيها الناس أنتم الكرام دائما أنتم السادة دائما، وأنتم تحكمون مصر منذ يومين، إن تحت كل متظاهر منكم عرشا ومصر بين أيديكم. وإن أعداءها فى الخارج وغاصبيها فى الداخل يخافونكم، يا ليت كل أم محمد فى ميدان التحرير تدرك كم ترتعد منها فرائص كل قصر على وجه الأرض، وكم تتطلع إليها عين كل مظلوم، والنصر يلمع فى يديها.

أقبل أياديكم»

●●●

إلى هنا انتهى المقال، وأنا أرسله للنشر اليوم، الأحد 17 يونيو 2012، فى ثانى أيام الانتخابات الرئاسية لينشر يوم الثلاثاء بعد ظهور النتائج أو مؤشراتها، وأيا كانت نتيجة هذه الانتخابات فإن الجنرالات المذكورين ما يزالون فى السلطة ولا بديل من العمل على خروجهم منها بكل وسيلة ممكنة، برئيس موال للثورة أو بدونه، وقد كان لنا فى السنة الماضية التى خذل فيها بعضنا بعضا عبرة مؤلمة. أيها الناس، ثورتكم لم تزل ممكنة.

 

 

 

 

 

 



اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=18062012&id=c1efa50d-1575-4f9f-b879-4fdab6ed6ab1