صدقوا العرق فى قمصانكم

الشروق

الإثنين 16 يوليو 2012 - 11:40 م

 

كنت أظنه بديهيا، أن يعرف الساسة العلاقة بين تشدد قادتهم فى المطالبة بحقوقهم، وبين ثقتهم فى أنفسهم، ثم أن يعرفوا العلاقة بين ثقة الناس فى أنفسهم وبين انتصارهم. إن تشدد القادة غير الواقعى يخلق الحشود التى تجعله واقعيا، لأنه يرسل للناس رسالة مفادها أن قادتكم يثقون بكم ويعتمدون عليكم ويعرفون منكم من القوة ما قد لا تعرفون من أنفسكم، فينزلون إلى الشوارع، ثم حين يرى بعضهم بعضا تتعزز تلك الثقة فيكثر الجمع، فيعجز المسلح، جنديا كان أو شرطيا، عن إخافتهم، فيخاف هو منهم، فيفرضون هم عليه إرادتهم. وما كانت المظاهرات الصغيرة التى يتجمع فيها خمسون إنسانا على سلم نقابة الصحافيين إلا نداء من بعض السياسيين وأصحاب الرأى والشجاعة للناس، أن ثقوا فى أنفسكم وانزلوا. أما إذا تهاون القادة، وجعلوا يتنازلون، فإنهم عمليا يرسلون للناس رسالة مفادها أنهم يظنون فيهم الضعف، وأنهم يتجنبون الصدام لاعتقادهم أن الناس أعجز من أن يصادموا. إن ظهور الضعف فى القادة ينتشر كالعدوى يأسا بين الناس فيلزمون بيوتهم، فيزيد بقاؤهم فى البيوت القائد ضعفا على ضعف وهلم جرا. إنك حين تكون شخصا اعتباريا مكونا من ثمانين مليون نفس، فقوتك وضعفك ليسا إلا حالتين فى خيالك، ووظيفة قادتك أن يغلبوا ثقتك بنفسك على شكك فيها، فإذا ظننت أنك قوى أصبحت بالفعل قويا، وإن ظننت أنك ضعيف أصبحت بالفعل ضعيفا، «وبقدر إيمانك يكون لك».

 

رأى أهل سيدى بوزيد أن البوعزيزى لم يخف من الموت، ولأنه لم يكن إلا واحدا منهم يشبههم فى كل شيء اعتقدوا أن فيهم من القوة ما فيه، فكسروا حاجز الخوف وتظاهروا، ولأن أهل سيدى بوزيد يشبهون من حولهم فى كل شيء، وثق هؤلاء الجيران بأنفسهم ففعلوا فعل أهل سيدى بوزيد، وهكذا حتى بلغت الثورة وزارة الداخلية فى تونس العاصمة وقصر قرطاج. فلما رأى المصريون أن التونسيين الذين يشبهونهم فى كل شىء قدروا على إطاحة رئيسهم، وثقوا بأنفسهم أنهم هم أيضا قادرون على ذلك، فأصبحوا فورا قادرين عليه فعلا، إذ أنه لم يكن بينهم وبين النصر إلا أن يؤمنوا به، كما قال المسيح عليه السلام للحوارى أن لا حاجز بينه وبين ارتكاب المعجزة والسير على الماء إلا أن يؤمن.

 

●●●

 

أكتب هذا اليوم لأن الناس ارتبكوا  فى رد فعلهم على قرار رئيس الجمهورية المنتخب إعادة مجلس الشعب، ثم تراجعه عن ذلك وإعلانه احترام أحكام القضاء. فمن الناس من قال إن سبب تراجع الرئيس هو قلة الدعم الشعبى له، واختلاف قادة القوى العلمانية معه وافتراق بعضها عنه وتركه له يواجه العسكر وحده. وأنا أخالف هذا الرأى، لظنى أن سبب التردد هو أن الرسالة بالمواجهة الشاملة لم تصل إلى الناس، بل وقفنا على حد وسط بين الثورة والإصلاح، بين المهادنة والمواجهة، محاولين أن نرضى طرفين متضادين فلم نرض أيهما. ولو أن الرئيس ألغى الإعلان الدستورى المكمل، بل مارس صلاحيته كقائد أعلى للقوات المسلحة يعين من قادتها من يشاء ويعفى من يشاء، ودعا إلى ذلك عبر شاشات التلفزيون ونزل بنفسه إلى الميدان، فإنه يرسل إلى الناس رسالة أن الشجاعة ممكنة وأن النصر ممكن.

 

أما السياسون الذين خالفوه بحجة احترام قضاة عينهم حسنى مبارك، واحترام قوانين أصدرتنا برلماناته التى لم يكن أى منها منتخبا انتخابا نزيها، فإنهم لن يخذلوا إلا أنفسهم بخذلانه عندئذ، إن الناس لن يتبعوا من يعدهم بالضعف، ويوحى لهم الهزيمة، بدلا من الذى يعدهم بقوتهم، ويريهم أن النصر ممكن.

 

ضحك بعض الأصدقاء الكبار ممن أجل وأحترم وأحب، حين حدثته هذا الحديث، وقال لى، إنك تتكلم أن أناس يملكون مدافع ودبابات وقوانين، أَوَلم يكونوا يملكون دبابات ومدافع وقوانين حين ثار الناس عليهم وأطاحوا بقائدهم الأعلى الذى حاربوا تحت رايته العراق وسالموا إسرائيل ثلاثين سنة؟

 

وقال آخرون، إنه لا إجماع فى مصر اليوم على إلغاء الإعلان الدستورى المكمل وانهاء سلطة المجلس العسكرى على الدولة، والرد عليهم أن بلى، ثَم إجماع فى مصر على ذلك، إنما سبب الافتراق خوف بعض السياسيين من استحواذ حزب الحرية والعدالة وجماعة الإخوان المسلمين على السلطة، وهو سبب واهٍ فى رأيى، لأن الديمقراطية تقضى بقبول استحواذ من ينتخبه الناس على السلطة، كل السلطة، إلى حين الانتخابات اللاحقة. وهذا السبب الواهى، على وهيه، يؤثر فى أفعال كثير من هؤلاء السياسيين الخائفين من الإسلاميين أو المشتاقين إلى السلطة يحصلون عليها بلا أغلبية، وأرى أنه إشراكهم فى السلطة خير من إشراك العسكرى فيها، ولذلك فإن الحكمة تقتضى أن تشكل وزارة سياسية تحوى أشهر الأسماء من بين القوى المدنية وأكثرها تأثيرا فى أتباعها، لتكون ثَم قاعدة وحدة وطنية يمكن بها للرئيس المنتخب ولمجلس الشعب المنتخب اللذَين يمثلون الشعب المصرية برمته أن ينتزعوا السلطة الكاملة من يد من عينهم مبارك، سواء لبس هؤلاء المعينون سلاحا أو وشاحا.

 

خلاصة القول، إن الذى قلل الحشود وفرق الناس طوال العام الماضى وحتى الأسبوع الأخير، لم يكن إلا رغبة أكبر فصائل العمل الوطنى فى المساومة بدلا من المقاومة، وكان هذا عمليا بمثابة تسريح القائد لجنده، وتفريقه لناسه، وهدمه لمعنوياتهم وهو فى وسط المعركة. لم تكن مشكلة خصوم الإسلاميين معهم أنهم إسلاميون، بل كانت مشكلتهم معهم أنهم هادنوا وساوموا وخذلوا حين كان يجب التشدد. تهاونوا فى الدم وتشددوا فى القماش. واليوم إن أراد المنتخبون أن يحكموا فليراهنوا على الناس وليتشددوا  فى الدم، فى حكم البلاد، وليطلبوا كل شيء مرة واحدة، أما هذا التدرج الذى يجرح التنين ولا يقتله، لن يفعل إلا أن يربك ثقة الناس فى قادتهم، ثم يربك ثقتهم فى أنفسهم ويبقيهم فى بيوتهم، فإن بقوا فى بيوتهم حكم السلاح البلد لمدة جيل كامل على الأقل.

 

كذلك فإن زيارة المملكة العربية السعودية، ثم زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية وغيرها من علامات المهادنة مع حلفاء حسنى مبارك الخارجيين يزيد من يأس الناس، لأنه يأتى بعد مهادنة حلفاء حسنى مبارك الداخليين.

 

●●●

 

يكاد لا يخيفنى شيء فى الشأن المصرى، إلا أن يقر فى خيال المصريين أنهم ضعفاء، وأنهم حتى حين نزل ملايينهم إلى الشوارع لم يحققوا ما أرادوا. إن هذا الانهيار فى معنويات الناس، سيظهر فى كل شيء، من تخاذل السياسة الخارجية أمام إسرائيل وأمريكا يأسا من النصر، إلى عودة التحرش بالنساء فى الشارع يأسا من رجولة المارة وشهامتهم، ومن قبول شروط البنك الدولى إلى قبول الموظفين الرشى والعطايا فى أجهزة الدولة وإشارات المرور. ومن أحب أن ينظر إلى من سبقه كمثال، فلينظر إلى ما جرى من فساد فى الضفة الغربية حين سالمت منظمة التحرير إسرائيل بعد الانتفاضة، وكيف أصبح المقاوم متهما، والسارق مسؤولا محترما.

 

أيها الناس، لست إلا ولدا يكتب مقالا عسى أن يُرفع هذا الكلام إلى مقامكم وعتبتكم الشريفة فى ميادين ومصر وشوارعها: أنتم قادرون، وإن قال لكم قادتكم وعسكركم ومثقفوكم والأمريكان والإسرائيليون غير ذلك، صدقوا أقدامكم التى مشت بكم من بيوتكم إلى التاريخ، صدقوا العرق فى قمصانكم، وأحذيتكم المهترئة التى أربكت الدنيا، ولا تصدقوا الردهة والبهو والوزارة والحزب والوشاح والسلاح والوثيقة والبيان.



اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=16072012&id=83e64fc3-353a-400c-9308-590afbefc2d9