الطريقان

الشروق

الثلاثاء 28 أغسطس 2012 - 9:12 ص

 

أما وقد تحررت مصر من حكم العسكر، وبات صاحب السيادة فيها من يختاره أهلها فقد أصبح أمامها طريقان، إما أن تبقى على حالها حليفة للولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية ومسالمة لإسرائيل، وهى الطريق التى يسميها أنصارها بطريق العقل متذرعين بحاجة مصر الاقتصادية، وإما أن تخرج من هذا الحلف إلى نقيضه وهو ما يسميه البعض طريق الجنون وفى هذا المقال سأشرح فضل الجنون على العقل.

 

•••

 

إن بقاء مصر فى حلفها الاستراتيجى مع الولايات المتحدة يقتضى أن تكون عمليات الجيش المصرى فى سيناء موجهة ضد الجماعات الجهادية التى تستهدف إسرائيل، ويكون قصف الأنفاق مقصودا به منع إدخال السلاح إلى غزة، وأن تعطى غزة المال مقابل حرمانها من السلاح،  ثم يكون الاحتضان السياسى لحماس هدفه إخراجها من الحلف الإيرانى، فيخرج قرار الحرب والسلم فى فلسطين من يد طهران ويصبح فى القاهرة التى تستأذن فيه واشنطن. فإن خرجت غزة من حلفها المشرقى  خلا  ذلك الحلف من أى طرف سنى بارز، وسهل ذلك على المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية عزل الحلف مذهبيا، ونشر الحرب الأهلية السورية إلى كل من العراق ولبنان، فيكون خنق حزب الله المسلح شمالا ثمن تنفس حماس العزلاء جنوبا، وتكون محاصرة إيران واستنزافها قبل ضربة إسرائيلية أو أمريكية ثمنا لقبول أمريكى وترحيب سعودى بحكم الإخوان المسلمين لمصر وبقية العالم العربى.

 

ولمن يدعون لهذه الطريق ثلاث حجج، الأولى هى أن مصر فى حاجة ماسة للمال، وأن اللين مع إسرائيل والخشونة مع إيران ضرورة لنيل قروض صندوق النقد الدولى والمعونة الأمريكية والاستثمارات الخليجية، والثانية هى ضعف مصر العسكرى، وأنها لا تستطيع أن كسر قدرة إسرائيل على العدوان فليس لها إلا أن تسحب منها الرغبة فيه، وهم يقولون إن إغلاق المعبر مع غزة وإخلاء سيناء من الجماعات المسلحة يسحب الذريعة من إسرائيل ويعطيها الأمان الذى تبغى فلا تدخل لتأخذه بنفسها. أما الحجة الثالثة فهى موقف إيران من سوريا، وأن الخصومة مع الولايات المتحدة  تعنى بالضرورة التقارب مع إيران وأن ما يجرى فى سوريا من دم يقف عائقا أخلاقيا دون ذلك.

 

•••

 

وأنا أرى أن طريق العقل هذا لا يمت للعقل بصلة، فمن حالف أمريكا وحارب لها روسيا  قتلته أمريكا فى أبوت أباد، ومن حالف أمريكا وحارب لها إيران قتلته أمريكا فى بغداد، ومن سالم إسرائيل وخاصم لها المقاومة قتلته إسرائيل فى رام الله، وقديما ما تخلت أمريكا عن حلفائها من الشاه المخلوع محمد رضا بهلوى إلى الرئيس المخلوع محمد حسنى مبارك، وإذا قبلت أمريكا اليوم بحكم الإخوان المسلمين لمصر حتى تفرغ من إيران، فإنها سوف تلتفت للإخوان المسلمين غدا حين لا يكون فى المشرق أحد يعاندها.

 

وفى مصر تحديدا، لم تسفر فكرة التحالف مع أمريكا مقابل المال إلا عن إفقار مصر من جهة وإضعافها فى الشرق الأوسط من جهة أخرى، بل إن مصرعلى أيام مبارك كلما أمعنت فى تحالفها مع الولايات المتحدة كلما ضعفت مكانتها فى المشرق فقلت قيمتها لدى الولايات المتحدة نفسها وانعدم الدافع لدى هذه الأخيرة فى انتعاش مصر الاقتصادى. ومن تهاون خوف الفقر، أفقره الهوان.

 

أما سحب الذارئع من إسرائيل، فهو يعنى ارتهان القرار السياسى المصرى لتل أبيب، وهو يعنى عمليا أن نعطى لإسرائيل ثمار الاحتلال العسكرى من تبعية وخوف ونوفر عليها تكاليفه. ثم إن كان لبنان قادرا على استعادة أراضيه بدون اتفاقية سلام مع إسرائيل فإن مصر لا شك قادرة على حماية أراضيها بدون اتفاقية سلام معها. ولذلك فإن ما يجرى فى سيناء لا بد أن يكون كسبا لود القبائل وزيادة فى سلاحها لا العكس، لأن تسليح أهل سيناء ورفع قدرتهم على خوض حرب العصابات هو الضمانة لأمنها حتى يستكمل الجيش المصرى تغيير نمط تسليحه بحيث لا يعتمد على السلاح الأمريكى. إن حلف مصر مع أمريكا هو الذى يضعفها، وليس ضعفها هو الذى يدفعها إلى الحلف مع أمريكا. فطالما كان الجيش المصرى معتمدا على واشنطن فى السلاح فإنه لن يكون قادرا على ردع إسرائيل التى تزودها نفس الواشنطن بسلاح أفضل وبمعلومات مفصلة عن تسليح المصريين. أما تزويد القبائل بالسلاح الخفيف والمضاد للدروع فإنه يجعل من سيناء جنوبا لبنانيا آخر يردع إسرائيل ويحفظ استقلال قرار مصر السياسى. والحقيقة أن العمليات فى سيناء غامضة، فإن كانت تجرى بالتنسيق مع إسرائيل وتستهدف أهل سيناء فهى شر، وإن كانت غطاء لنشر صورايخ مضادة للطائرات فى سيناء وخرقا لاتفاقيات كامب ديفيد فهى خير، لأنها تسمح للدفاع الجوى المصرى بتغطية سيناء وتأمين أهلها فيها من الجو، وأهلها أنفسهم قادرون على تأمين أنفسهم من البر فى جبالهم الوعرة، كما فعل غيرهم فى لبنان وغزة من قبل.

 

•••

 

أما سوريا، فإن التغيير فيها لن يتم بدون توافق إقليمى عليه، وإلا فالحرب مستمرة. وإن الإيرانيين يعلمون قيمة مصر الاستراتيجية جيدا وأنهم إن تحالفوا معها وتم فى المشرق ذلك المثلث الإيرانى التركى المصرى فإنه لن يكون للولايات المتحدة ولا لإسرائيل عليهم سبيل. ولذلك فإن الثمن الذى قد يقبل الإيرانيون من أجله التغيير فى سوريا هو التقارب مع مصر. إن الاقتراح الذى قدمته مصر فى القمة الإسلامية من تشكيل لجنة مصرية إيرانية تركية سعودية لحل الأزمة فى سوريا هو الحل الأمثل إن لم يكن الحل الوحيد لما يجرى هناك. إن تركيا لا تريد لهذه الحرب الأهلية أن تستمر لكيلا تواجه مشكلة كردية، وإيران لا تريد لها أن تستمر لكى لا تواجه انتقاضا لنفوذها فى كل من العراق ولبنان فضلا عن سوريا. ومصر هى الوحيدة التى ليست طرفا مباشرا فى الصراع ولا ترسل سلاحا لأحد. ومصر حكامها إخوان مسلمون،  ما يعنى أن المعارضة السورية، أو كبرى فصائلها على الأقل، تقبل بهم. ومصر تقع فى جنوب إسرائيل وغربها، ما يعنى أن مصلحتها الاستراتيجية تملى عليها الحفاظ على حزب الله والمقاومة اللبنانية لإشغال جبهة إسرائيل الشمالية، كما تقضى هذه المصلحة بالإبقاء على الاتصال بين المقاومة اللبنانية وإيران، بل وعلى تقوية إيران لكونها تمثل إشغالا لإسرائيل على الجبهة الشرقية. أقول إذا قرر حكام مصر الجدد أن العدو هو إسرائيل ولا أحد غير إسرائيل، فإن هويتهم السياسية كونهم من الإخوان المسلمين  من جهة وموقع مصر الجغرافى من جهة أخرى، كفيلان بطمأنة جميع أطراف الأزمة السورية وبأن يكون ثمة حل مصرى لها. وإذا تم هذا التقارب المصرى الإيرانى، وضمانته الجغرافيا والعدو المشترك، وأضيف الى العلاقة الجيدة القائمة أصلا بين مصر وتركيا وضمانتها الأيديولوجيا والتقارب التنظيمى والاقتصادى، فإن كلا من تركيا وإيران قد يريان فى امتداد النفوذ المصرى فى الشام حلا وسطا يضمن مصالحهما ويحقن دماء السوريين.

 

وإن كان من مصلحة المملكة العربية السعودية أن تنتشرالحرب الأهلية السورية إلى كل من لبنان والعراق لأن خطاب الانقسام السنى الشيعى ينتشر معها، وهو الخطاب الوحيد الذى يتيح للمملكة العربية السعودية بعض النفوذ، فإن المملكة، وبسبب موقعها الجغرافى هى الأخرى، لن تريد أن ترى نفسها على عداوة مع كل من مصر وإيران معا، وإن اتفقت مصر وإيران وتركيا على حل سورى يوقف القتل، فلن تستطيع السعودية وحدها أن ترعى الاستمرار فيه، لا سيما ان اقتضى هذا الحل نظاما جديدا فى سوريا ترضاه كبرى فصائل المعارضة السورية.

 

•••

 

إن خروج مصر من حلفها الأمريكى، هو الذى يضمن حماية سيناء، وهو الذى يوقف الحرب الأهلية فى سوريا، ويؤدى إلى قيام نظام ديمقراطى جديد فيها ويحافظ فى نفس الوقت على المقاومة فى لبنان وفلسطين، ويؤدى إلى تمدد النفوذ المصرى فى الشام بما يعزز الأمن القومى المصرى والعربى والإسلامى، ولهذا النفوذ ثمنه، فلن تضطر مصر بعدها أن تسعى لصندوق النقد الدولى بل سيتنافس الغرب مع كل من روسيا والصين على صداقة مصر. ومن رأى فى أقوله خيالا وشططا فليتذكر أن إقالة العسكر كانت خيالا، وقبل ذلك كان خلع مبارك خيالا، وأن القوة، كل القوة، فى الخيال.



اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=28082012&id=b8d926c3-59ac-4809-9cca-e2688cb07e36