أقوى مما تظنون

الشروق

الثلاثاء 25 سبتمبر 2012 - 8:41 ص

 

وقع خلال الأسبوعين الماضيين حدثان قد لا يبدوان مرتبطين وإن كانا كذلك، مثل من يلقى بحفنة من الحصى على الأرض فتتشكل منها كلمة مقروءة.

ظهر على الإنترنت فيلم بذىء يسىء إلى الإسلام والمسلمين فاندلعت المظاهرات فى مصر وأنزل العلم الأمريكى من ساريته فى السفارة الأمريكية فى وسط البلد، وتلا العالم الإسلامى القاهرة واندلعت المظاهرات من شمال إفريقيا إلى وسط آسيا.

ثم ظهرت على إذاعة الجيش الإسرائيلى تصاريح تفيد بأن إسرائيل تريد أن تحمى نفسها من المجاهدين المصريين فى سيناء، وأن العمليات التى يقوم بها الجيش المصرى ضدهم بالتنسيق مع تل أبيب غير كافية لتشعر هذه الأخيرة بالأمان، وقد نشرت جريدة الشروق المصرية فى عددها الصادر يوم الأحد الثالث والعشرين من سبتمبر تقريراً مفصلاً عن الموقف الإسرائيلى.

●●●

إن غضب العرب والمسلمين على الولايات المتحدة كامن، وينمو، ويبحث، مثل الحجر المصهور فى باطن الأرض عن فرصة ليعلن عن نفسه، وهو غضب تمتد أسبابه من دعم أمريكا الدائم لإسرائيل إلى حصار العراق وغزوه. إن بعض محبى واشنطن والمعجبين بها أو الخجلين منها عندنا، وصفوا المتظاهرين فى مصر والذين لم يؤذوا أحداً أذى بدنياً، بل عرضوا أنفسهم للأذى والاعتقال، بالهمجية، وكأنهم نسوا أن الولايات المتحدة قتلت مليون نفس فى حصار العراق أكثر من نصفهم أطفال حسب تقديرات منظمة رعاية الطفولة التابعة للأمم المتحدة من عام واحد وتسعين حتى عام ألفين ثلاثة، ثم قتلت منهم مليون نفس أخرى حين احتلت البلد وأشعلت بين طوائفه حرباً أهلية من عام ألفين وثلاثة حتى عام ألفين وأحد عشر. ولا يقل عن هذا القتل سوءاً أنه تم بدعوى امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، ثم بدعوى إقامة نظام ديمقراطى فيه، فلما تبين أنه لا سلاح ولا ديمقراطية اكتفت واشنطن بابتسامة المحرج، كأنها ضيف كسر ابنه كوباً فابتسم، وعلينا نحن أيضاً أن نبتسم: «حصل خير»، ثم علينا أيضاً أن نكون متحضرين فننسى ونهنأ بقمح المعونة. أضف إلى ذلك أننا منذ ثلاثين سنة نقصف بطائرات أمريكية سواء قادها أمريكيون أم إسرائيليون، من قصف لبنان عام اثنين وثمانين، إلى قصف الأعراس فى اليمن والعراق وباكستان وأفغانستان، وغزة والضفة الغربية. إن هذا الفيلم، ومن قبله فيلم كيرت فلدرز الهولندى ومن قبله الرسوم الدنماركية، لو كان ظهر فى الكاميرون أو الباراغواى لما أثار كل هذا الغضب، إن المزاح، حتى المزاح، لو جاء من نواحى واشنطن وحلفائها الأطلسيين بعد كل هذا الدم، فمن الطبيعى أن ينتج ما رأيتم من مظاهرات. إن الحكومة الأمريكية لا علاقة لها بالفيلم، هذا صحيح، ولكن لها علاقة بالقتل الذى أنتج الغضب الذى كان الفيلم فرصة للتعبير عنه. واشنطن لم تنتج الفيلم، ولكنها بنت غوانتنامو وباغرام وسمحت لجنودها أن يلقوا بالمصاحف فى الحمامات، والناس فى القبور. إن من يدين من لونوا حوائط السفارة فى مصر عليه أن يدين من هدموا حوائط البيوت على أهلها. إن ما جرى بلدان أخرى مجاورة من قتل فى غير حالة دفاع عن النفس أمر مدان، ولكن ما جرى فى مصر هو تعبير عن غضب مفهوم لم ينتج عنه أذى لأحد من الناس إلا للمتظاهرين أنفسهم.  

●●●

وانتقالاً إلى النقطة الثانية، فإننى أزعم، أن لهذا الغضب الذى رأيناه فى الشوارع، قيمة دفاعية. إن إسرائيل، ومعها الولايات المتحدة، تدركان حقيقة مشاعر المصريين، وتدركان أيضاً قدرتهم على الحشد، وأنه ليس من قبيل الصدفة، أن العلمين اللذين أنزلا فى مصر منذ الثورة، حصراً، هما العلمان الإسرائيلى والأمريكى. لذلك فإن تهديد إسرائيل بأى عمل مفتوح لها فى سيناء إما كذب أو حمق، لأن تل أبيب تعلم أن تدخلها سيولد ضغطاً شعبياً هائلاً على الحكومة المصرية تكون بسببه أمام خيارين، إما أن تلغى اتفاقية السلام وتواجه التدخل الإسرائيلى بالقوة دفاعاً عن سلامة التراب المصري، أو ببساطة، أن تسقط. فإذا وصلت الأمور إلى القوة، فإن الإسرائيليين الذين لم يفلحوا فى لبنان لن يفلحوا فى مصر. والجيوش النظامية تتعب فى الأراضى الجبلية وفى الكثافة السكانية، وسيناء لها الصفة الأولى، وعمق سيناء الاستراتيجى فى الدلتا له الصفة الثانية. كما أن إسرائيل مهددة فى جبهتها الشمالية بحزب الله، وفى جبهتها الشرقية بإيران، وفى جبهتها الجنوبية بحماس، وفى جبهتها الداخلية بمليون ونصف المليون من العرب الذين لن يقفوا هذه المرة موقف المتفرج، وكل هذه عناصر لم تكن موجودة عام سبعة وستين، وبالمناسبة، فإن إسرائيل لم تحرز نصراً حاسماً فى أى حرب دخلتها منذ ذلك التاريخ. والعرب والمسلمون المنقسمون اليوم على أنفسهم سنة وشيعة لن يبقوا منقسمين إذا تحركت إسرائيل فى أى اتجاه كان. والمنطقة أشبه بحقل من الألغام إذا انفجر لغم واحد انفجرت كلها، وأى مناوشة بين إسرائيل وأى من جيرانها من المحتمل جداً أن تتحول إلى حرب إقليمية تمتد من وسط آسيا إلى البحر المتوسط.

ربما لم تكن إسرائيل تكترث من قبل لمشاعر المصريين، ولكن بعد أن أدت هذه المشاعر إلى إسقاط حسنى مبارك، فإن الشعب المصرى، ومشاعره لم يعد خارج المعادلة الإقليمية، ولما كانت المظاهرات أمام السفارة الأمريكية تعبيراً آخر واضحاً عن هذه المشاعر واتجاهها، فإننى أزعم أنها تساهم فى ردع إسرائيل عن أى تهور، وتساهم فى أن تدعو واشنطن إسرائيل للتريث قبل ارتكاب أى حماقة،  لا فى حدودها الجنوبية فحسب، بل فى المنطقة كلها، إن شباب الميادين، لا يدركون كم تخافهم عواصم الظالمين فى هذا العالم، ولا يدركون كم هم أقوياء.

إننى لا أخاف على مصر من أى تدخل إسرائيلى لأنه، على الأرجح، لن يحدث، ولو حدث لا سمح الله فسيفشل فشلاً ذريعاً، بل أخاف على مصر من تعاون الحكومة المصرية وتهاونها مع إسرائيل وأن تظن القيادة فى القاهرة أن أفضل وسيلة لحماية سيناء من الاحتلال الإسرائيلى هو أن تقوم القوات المصرية بتأمين إسرائيل بدلاً من القوات الإسرائيلية، أو أن تتعاون الحكومة المصرية مع إسرائيل وتتكتَّم على ذلك فلا يعرف الناس شيئاً عنه. إن هذه السياسة إن كانت هى المطبقة فإنها لن تنفع مصر فى شىء. إن أى جهد تبذله مصر فى تأمين إسرائيل لن يكون كافياً لهذه الأخيرة، أولاً لأن تل أبيب مصابة بالبارانويا الاستراتيجية المزمنة، وثانياً، لأن الحملات العسكرية والأمنية لن تجدى نفعاً مع سكان سيناء بل ربما زادت من استفزازهم.

●●●

وبما أن هذا الشهر تمر ذكرى ثلاثين عاماً على مذبحة صبرا وشاتيلا، فلنتذكر أنه عندما حكم لبنان من كانوا يؤمنون بأن قوته هى فى ضعفه، وأن المقاومة تشكل عبئاً عليه، احتلت بيروت، وأخرجت المقاومة الفلسطينية من بيروت، ووعدت بضمان سلامة المخيمات، ثم ذبحت أُسر المقاومين غدراً فى غيابهم، ولم يحصل لبنان مع ذلك على أى أمن. ولكن حين حكم لبنان من كانوا يرون أن قوته هى فى مقاومته، تحرر البلد. يا أهل مصر، أنتم أقوى بكثير مما تظنون.

 

 

 

 

 

 



اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=25092012&id=cf376a1f-bb2c-4749-ae8e-2194e9cabb9e