الخطاب

الشروق

الثلاثاء 23 أكتوبر 2012 - 8:10 ص

 

تعليقا على خطاب اعتماد السفير المصرى لدى تل أبيب، الموقع من رئيس جمهورية مصر العربية إلى رئيس دولة إسرائيل.

أولا: إتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل باطلة بكل منطق، بالمنطق القانونى المدنى، وبالمنطق الشرعى الإسلامى، وبمنطق موازين القوى العسكرى والسياسى.

 أما بالمنطق القانونى المدنى، فقد أبرمها رئيس غير منتخب، ولم تعرض على برلمان منتخب ولا على استفتاء شعبى آمن من التزوير، فهى اتفاقية باسم شعب مصر لم يستشر شعب مصر فيها بتاتا من يوم عقدت إلى يوم الناس هذا، وإلغاؤها لا يعنى، قانونا، استئناف حالة الحرب، بل تصبح اتفاقيات الهدنة ووقف إطلاق النار وقرارات الأمم المتحدة هى الحاكمة للعلاقة بين الطرفين.

وبالمنطق الشرعى الإسلامى، فإن كل صلح مع دار الحرب لا يكون إلا بأجل مسمى، وكامب ديفيد لا أجل لها، وقد انتقض صلح الحديبية بوقعة الوتير وعدوان حلفاء قريش على حلفاء المسلمين، فكامب ديفد منقوصة من أول شهيد سقط فى مصر بعد ١٩٧٩ وهم كثر، أو فى فلسطين أو لبنان أو العراق سواء على يد إسرائيل أو يد أى من حلفائها لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية.

وكامب ديفيد باطلة أيضا بمنطق ميزان القوة، فإن كان لبنان، بل طائفة فى لبنان، بل حزب فى طائفة فى لبنان، قادرا على استعادة أرضه بلا اتفاقية سلام، فالأولى أن تكون مصر قادرة على الدفاع عن أرضها بلا اتفاقية سلام. على أن إلغاء الاتفاقية كما قلت، لن يعنى حربا مع إسرائيل، فحتى لو افترضنا جدلا أن لدى إسرائيل القدرة العسكرية على إخماد حرب عصابات طويلة المدى فى سيناء وأن لديها ضوءا أخضر أمريكيا لغزو كهذا، وهما أمران معدومان، فإن الغزو يعنى إغلاق قناة السويس، ما يعنى ارتفاع أسعار النفط، وهو ما لا يحتمله اقتصاد أمريكى وعالمى مأزوم. هذا مع احتمال أن يؤدى أى غزو إلى حرب إقليمية شاملة يغلق فيها مضيق هرمز، ما يفاقم أزمة النفط كما يعنى ذلك أن تفتح على إسرائيل جبهة مع لبنان وأخرى مع غزة وأخرى مع إيران.

إن إلغاء اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل أو عرضها على استفتاء، أمر ممكن واقعيا، وليس هناك ما يضطر أول رئيس مدنى منتخب يمثل المصريين أن يعانى مذلة تعريف نفسه بصديق شمعون بيريز الوفى.

<<< 

ثانيا: إن كان إلغاء الاتفاقية لا يعنى الحرب، فإن قطع العلاقات الدبلوماسية لا يعنى إلغاء الاتفاقية، وقرار سحب السفير لا يعنى قطع العلاقات الدبلوماسية، وإبقاء السفير فى مصر التى كان فيها أصلا لا يعنى سحبه، فلا أدرى ما الذى اضطر الرئاسة إلى إرسال السفير فى هذا الوقت بالذات وغزة تحت القصف، وإسرائيل تهدد بالحرب يمينا وشمالا.

<<< 

ثالثا: إذا كان القرار هو الإبقاء على الاتفاقية، والإبقاء على السفارة، والإبقاء على السفير، أفلا يجدر بمؤسسة الرئاسة أن تقرأ الورق الذى يوقع عليه الرئيس باسم ٩٠ مليون مصرى لترى فيه رأيها، وتراجع نصه وفحواه وكونه مناسبا سياسيا أم لا؟

<<< 

رابعا: أما وقد حدث ما حدث، ونشرت إسرائيل الرسالة، بقصد إحراج الرئاسة المصرية، ألم تجد مؤسسة الرئاسة ردا إلا القول إن النص بروتوكولى، بعبارة أخرى، تعترف مؤسسة الرئاسة أنها لا تعنى ما تقول، أنها توقع على ورق، باسم الشعب المصرى، لا توافق على فحواه، لا لشىء إلا لأن العادة جرت على توقيعه؟ إن هذا النوع من الأعذار يضر بمصداقية الرئاسة، ومصداقية مراسلاتها، بل وبصفة تمثيلها للمصريين.

<<< 

خامسا: إن المعالجات المقترحة لهذا الخلل، كتعديل صيغة خطابات الاعتماد، أو صوغ خطاب اعتماد خاص بإسرائيل، لا تعالج شيئا، فما بنى على باطل باطل. كل هذه الإجراءات تتقصد تفادى الحرج، ولكن الحرج لن ينتهى ما دامت هذه الاتفاقية قائمة. لأن وجود الاتفاقية فى حد ذاته محرج لرئيس أتى من جماعة بنت جزءا كبيرا من شرعيتها على مناهضة المشروع الصهيونى فى المنطقة. إن شعبية الحركات الإسلامية فى العالم العربى اليوم أتت من عناصر كثير، ربما كان أهمها، أن إسرائيل وأمريكا تطلقان النار على الإسلاميين أكثر من غيرهم منذ عشرين سنة أو يزيد، أفيجوز إن حكموا أن يسموا أنفسهم أصدقاء إسرائيل الأوفياء؟ إن إسرائيل ستستمر فيما تقوم به عادة، ستقصف غزة وتخترق المجال الجوى للبنان، وتقتحم المسجد الأقصى وتحفر تحته الأنفاق، وتحول المساجد إلى حانات تشرب فيها الخمور، وتهدم بيوت العرب لتجعلها مستوطنات أو حتى محميات طبيعية، وتغطى مقابرهم التاريخية بالأسفلت لتجعلها ساحات انتظار للسيارات، هذا دون خروقات إسرائيل للسيادة المصرية وعملياتها فى سيناء وقتلها للجنود المصريين، ودون ذكر الحرب الإقليمية التى بات الجميع ينتظرها بين شهر وآخر، فكيف ستصنع مؤسسة الرئاسة إذا تمسكت باتفاقية السلام رغم هذا كله؟ وكيف تأمل، بعد أربع سنوات من تعمد إسرائيل للإحراج، بل للإذلال، أن تنجح فى أى انتخابات مقبلة، خاصة مع ازدياد احتمال نشوب الحرب الإقليمية خلال هذه السنوات الأربع؟ إن الموقع الصحفى الإسرائيلى الذى نشر نص خطاب التعيين نشر معه تصريحا لوزير خارجية إسرائيل أفيغدور ليبرمان، وهو رجل فج عمل حارسا لملهى ليلى، يعلن فيه عن نيته فضح أصدقاء إسرائيل من العرب، وقد قال ما نصه «على إسرائيل أن تتوقف عن كونها عشيقة الشرق الأوسط، الجميع يريدون الاستمتاع بها وهم ينكرون علاقتهم معها».

إن التصرف الأمثل فى اعتقادى، كان وما يزال، هو إلغاء اتفاقية السلام.  وأذكر من سيتهموننى بالتطرف والتهور من الساسة والمستشارين، أنهم اتهمونى بالأمر ذاته فى اجتماعات كثيرة حين كنت أدعو مع غيرى من الشباب لإقالة العسكر وإلغاء الإعلان الدستورى المكمل بمجرد قرار رئاسى وكنت أؤكد أنه لن ينتطح فيها عنزان، وفى لقاء الجبهة فى قصر الاتحادية قلت بالنص: «إذا تشددت حشدت، ولا طاقة لعسكر مصر بحشودها».  واليوم أقول، إذا ألغيت الاتفاقية أو عرضتها على استفتاء فلن تُشن عليك الحرب. أما بشأن المال، فإن نهر النيل لا ينبع من تل أبيب، وقناة السويس لا تمر من واشنطن، ثروات هذه البلاد تعفيك من ارتهانها للعدو، وإن أمتنعوا عن إقراضك فهو خير، فهذه الديون هى التى أضاعت البلاد من مائة سنة، والديون لا تعالج بالديون، بل بالامتناع عنها، وعن سداد فوائدها التى أعلنت لنا أنها تأكل ربع الميزانية. ولا تخف من الحرب إن امتنعت عن سداد الديون، لسنا فى القرن التاسع عشر، لن تأتى بوارجهم إلى الأسكندرية، وما لم يكونوا راغبين فى المرور من رأس الرجاء الصالح فلن يحاصروك.

<<< 

سادسا: إن تخويف المصريين  بالحرب كلما طالبوا بالكرامة هو احتلال متنكر فى زى استقلال. وإن كان الحكم الحالى صادقا معنا فى أنه يريد نهضة لهذه البلاد، فهو يعلم أن أى نهضة  ستكون خطرا على إسرائيل وأنه سيضطر عاجلا أم آجلا إلى المواجهة، فالأولى به إذن أن يستعد لها فيبنى أحلافا إقليمية مهددة لإسرائيل، ويسلح غزة، بدلا من قصف كل مقاتل يشكل تهديدا لإسرائيل فى سيناء، واعتماد خطاب مزدوج يعدنا بالنهضة ويعد إسرائيل بالسلام، لن يصدقه عاقل منا ولا منهم.

<<< 

سابعا: أيجوز، أيها الناس،أن يصبح أحفاد أحمد لطفى السيد الذى خطب فى افتتاح الجامعة العبرية فى القدس أكثر تشددا مع إسرائيل من أحفاد حسن البنا الذى استشهد لأنه أرسل مجاهدين متطوعين يحاربون الصهاينة فى فلسطين؟ ولو أن شهداء الإخوان المسلمين من عام 48 إلى عام 2008 قرأوا عبارة «الصديق الوفي» يقولها أول رئيس منهم يحكم مصر، لرجعوا إلى الموت اكتئابا، فهم لم يكونوا رؤساء، وبعضهم كان فى السجن والأسر، ومات ولم يقلها.

<<< 

ثامنا: لم يذكر كاتب خطاب الاعتماد الموجه لشمعون بيريز الرضا عن ساداتنا أبى بكر وعمر وعثمان وعلى، لأن الإسرائيليين كما تعلمون.. يبجلون الصحابة

 

 

 

 

 

 



اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=23102012&id=30cd0867-69c8-4769-ae25-6eeea2b6eb63