وجوههم حرب نفسية

الشروق

الثلاثاء 6 نوفمبر 2012 - 8:38 ص

 

فى الثانى من نوفمبر عام ألفين واثنى عشر قال رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعى والوحيد للشعب العربى الفلسطينى، السيد محمود عباس لمذيع على القناة الثانية الإسرائيلية إنه لا يعتبر مدينة صفد التى ولد فيها جزءا من فلسطين، وإن فلسطين عنده هى الضفة الغربية وقطاع غزة لا غير، أما بقية فلسطين التاريخية فهى عند السيد محمود عباس، إسرائيل. كذلك طمأن السيد محمود عباس الإسرائيليين بتأكيده على أن انتفاضة فلسطينية مسلحة أخرى لن تقوم ما دام هو فى منصبه.

 

إن دوافع السيد عباس لقول ما قال بينة، فهو لا يريد أن تعتبره إسرائيل والولايات المتحدة «غير ذى صفة» و»عقبة فى طريق السلام» كما فعلتا مع ياسر عرفات من قبله، وكان هو نفسه شاهدا على عملية تهميش عرفات سياسيا، وعزله ثم حصاره فى مكتبه فى آخر أيامه. يريد السيد رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أن يثبت للإسرائيليين أنه مفيد فيتركوه وشأنه، ويتركوا له ولاية الرِّى الحديثة،وهى شارعان وربع شارع فى رام الله.

 

إلا أن إسرائيل والولايات المتحدة لا ترضيان منه بالكف عن المطالبة بحقوق الفلسطينيين والسكوت عن ظلم غزاتهم لهم فقط، بل تريد الدولتان من السيد عباس أن يشارك بنفسه فى هذا الظلم، أن تكون السلطة الوطنية الفلسطينية مشاركة فى تأمين إسرائيل، تأمينها ما وراء الخط الأخضر، ثم تأمين مستوطنيها فى الضفة الغربية حيث لا تسمح الشرطة الفلسطينية بأى عمليات ضدهم، ثم تأمين جنود جيش الدفاع القائم بالاحتلال على الحواجز وفى الدوريات السيارة التى تجوب طرق الضفة، لأن الشرطة الفلسطينية لا تسمح بأى عمليات ضد هؤلاء كذلك. تريد إسرائيل من عباس أن يخرج بنفسه لقتال المقاومة، وقد فعل. إن ما قاله، السيد محمود عباس عن منع انتفاضة فلسطينية مسلحة يعنى بالضبط أنه يحمى الاحتلال، وأنه لا يهدده إلا عن طريق محاولته إقناع المجتمع الدولى والأمم المتحدة والولايات المتحدة بالأدب واللياقة والحسنى أن على إسرائيل أن ترجع له أرضا لا يكلفها احتلالها شيئا.

 

وقد أثار هذا التصريح من الغضب بين الفلسطينيين ما أثار، وأنا أفهم أن نغضب، ولكن لا أفهم أن نتفاجأ. فما قاله السيد محمود عباس هو بالضبط ما وقعت عليه منظمة التحرير الفلسطينية من قبل فى اتفاقيات أوسلو عام ألف وتسعمائة وثلاثة وتسعين، وهو ما وقع عليه السيد محمد أنور السادات فى اتفاقية كامب ديفد عام ألف وتسعمائة وتسعة وسبعين. بل إن ما قاله محمود عباس، هو ما قالته الدول العربية المجتمعة فى بيروت عام ألفين واثنين، فيما سمى مبادرة السلام العربية، وكانت تقضى بأن انسحاب إسرائيل من الضفة الغربية وغزة وإقامة دولة فلسطينية فيها، سيكافأ باعتراف جميع الدول العربية بأن ما تبقى من فلسطين التاريخية، حيفا ويافا وعكا وصفد، ليس إلا إسرائيل.

 

إن الظالم لا يرضى منك أن تسكت على الظلم لتحظى بثماره بل عليك أن تشارك فيه. وإسرائيل لم ترض ولن ترضى عن حكامنا حتى يكونوا شركاءها فى قتلنا، حتى يكونوا كلهم كميليشا أنطوان لحد فى جنوب لبنان، وبشير جميل، وإيلى حبيقة وسمير جعجع، الحى منهم والميت سواء.

 

لقد أصبحت عادة عند إسرائيل أن تذل حلفاءها غير آبهة بأن إذلالهم ذاك يضعفهم، إن إسرائيل تحسبنا جميعا نشبه حكامنا، تريد أن تقول لنا هؤلاء الحكام هم مرآتكم، إذا كانوا هم ضعفاء فأنتم أضعف منهم لأنهم متسلطون عليكم. إن وجود هؤلاء الحكام وولايتهم علينا جزء من حرب نفسية ضدنا، وجوههم رسالة إسرائيلية لنا تقول أن لا فائدة، لا جدوى من المقاومة، هكذا كنتم وهكذا ستبقون. بعد حرب العبور عام ثلاثة وسبعين يواجهوننا باحتضان السادات لبيغن، وبعد الانتفاضة الأولى ووقوف الأطفال أمام الدبابات يواجهوننا باتفاقية أوسلو، وبعد الانتفاضة الثانية يواجهوننا برئاسة محمود عباس، وبعد الثورة المصرية يواجهوننا بما نحن فيه من مهادنة للولايات المتحدة وإسرائيل وحرب تُشن على أهلنا فى سيناء. إن إسرائيل لم تنشر خطاب تعيين السفير المصرى إلا لتبعث رسالة إحباط إلى الشعب المصرى بعد ثورته، يقولون لنا ها أنتم ثرتم فلم تقدروا إلا أن تأتوا بمن يصادقنا ويخافنا ويتعهد بالحفاظ على أمننا. لقد نجح العدو فى أن يجعل من قياداتنا السياسية أسلحة موجهة ضدنا فى حرب نفسية، يذلهم ليذلنا ويذلنا لنيأس، لأننا إذا يئسنا قبلنا بالعدو كأنه قضاء وقدر.

 

وما يجعل الأمر أكثر إيلاما، هو أننا فى لحظة تاريخية ليس بيننا وبين النصر فيها إلا أن نؤمن بأننا قادرون عليه. وقد قلت من قبل، إنه بعد سقوط حسنى مبارك، وإذا تفادينا حربا أهلية فى الشام تتحول إلى حرب أهلية عامة بين كل سنة الأمة وكل شيعتها فى لبنان والعراق وما حولهما، فإن بإمكان الفتيان منا أن يروا فلسطين حرة قبل أن تشيب رؤوسهم. لكن أكبر فصائل المعارضة السياسة فى مصر امتنعت عن الإجهاز على نظام مبارك وأبقت على شبكة تحالفاته الخارجية، وأبى الشام إلا ما ترون. وكان ممكنا، لأهل مصر أن يخرجوا من طوع أسر الولايات المتحدة، وكان ممكنا تفادى هذه المذبحة فى الشام، لكن طمع البعض فى الانفراد بالحكم هنا، وتمسك البعض بالانفراد بالحكم هناك أوصلنا إلى هنا.

 

كذلك فإن المنطق الطبيعى كان يملى علينا بعد سقوط حسنى مبارك أن يسقط أكثر النظم العربية اعتمادا عليه وتبعية له، وهو نظام محمود عباس فى رام الله، ولكن مسار الربيع العربى، تفادى فلسطين بقدرة قادر، وذهب إلى ليبيا وسوريا واليمن والبحرين، لينتج تدخلا من حلف الناتو وحربا أهلية واحتواءين سعوديين بالترتيب، ويؤدى هذا كله إلى محاصرة مصر ودك دمشق وبالتالى إلى تأجيل أى حراك فى فلسطين المعتمدة دائما وأبدا على هاتين العاصمتين حتى يقدر الله لهما أو لإحداهما النجاة. كأن كل ما جرى بعد الثورة المصرية لم يجر إلا لاحتوائها، وتأمين إسرائيل من خطرها، ولا شيء أخطر على إسرائيل من ثورة فى مصر تتبعها ثورة فى فلسطين، ولم تكن هناك قوة فى الأرض يمكن أن تحتوى الثورة المصرية لو لم توافق القيادة الحالية لجماعة الإخوان المسلمين على احتوائها وإبقاء مصر فى حلفها الاستراتيجى مع الولايات المتحدة خوفا من الفقر وطلبا للمال وتذرعا بالانتظار. يقولون لنا انتظروا لتروا، إن هذا التقارب مع أمريكا تقارب مرحلى،كذلك كانت تقول لنا القيادة الفلسطينية إن السلام مع إسرائيل مرحلى، وها هى المرحلية أوصلتنا إلى تصريح السيد عباس ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

أيها الناس، فى مصر وفى فلسطين، خير العقل ما أشبه الجنون، وأنا ما زلت أرى أننا أقوياء، وأقوى بكثير مما نظن. لا تصدقوا أن ضعف قادتكم هو من ضعفكم، هو ضعفهم هم، إنما أنتم أهل قرية فى تونس لم يسامحوا فى عربة خضرة فغيروا العالم، فلا تسامحوا حكامكم الذين أوصلونا إلى هنا، ولا أستثنى منهم أحدا، ولا تسامحوا للعدو فى فلسطين. وإن كان أبو مازن لا يريد أن يعيش فى صفد، فاعلموا أن بعض من يقرأون هذه الحروف سيعيش فيها محررة ويبتسم، فقط، إذا لم تفرقكم الطائفية والعرقية وخوف الفقر، فقط إذا أردتم ذلك، وصدقتم أنكم قادرون عليه.



اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=06112012&id=11f51e23-7036-4142-9e4e-8a55b1dabf6c