عن تنظيم الجنون الحميد

الشروق

الثلاثاء 18 ديسمبر 2012 - 10:05 ص

 

ما بين عقل القيادة الحالية لمكتب الإرشاد وعقل القيادة الحالية للمعارضة، مساحة واسعة للجنون.

 

لم يبق مكتب الإرشاد للجماعة صاحبا: الليبرالى المهتم بحقوق الإنسان رأى تعيين وزير داخلية كان مسؤولا عن إطلاق النار على عيون الناس فى خريف 2011، والاشتراكى المهتم بالعدالة الاجتماعية رأى قرض صندوق النقد الدولى وتشريعات تجرم الإضرابات العمالية وتتيح حل النقابات، والقومى والإسلامى وسواهما من المهتمين بالاستقلال والتحرير والهوية رَأَيَا حلفهم الاستراتيجى مع الولايات المتحدة وبقاء اتفاقية السلام مع إسرائيل، وإغلاق معبر رفح أمام الناس والبضائع وفتحه أمام الكاميرات، وحين نشبت الحرب فى غزة لم يزد الأمر عن سحب سفير وإرسال رئيس وزراء قصفت غزة وهو فيها. ولولا انفلات الأمن فى سيناء العامين الماضيين، مما سهل دخول الصواريخ الإيرانية طويلة المدى إلى غزة، لما استطاعت غزة صد العدوان الإسرائيلى. ومحاولة نسبة الانتصار إلى الوساطة المصرية مغالطة كبيرة، فقد حصل من قبل أن انتصر السلاح بلا وساطة، ولم يحدث من قبل أن انتصرت الوساطة بلا سلاح.

 

 بل إنه يبدو واضحا أن ثمة اتفاقا غير مكتوب بين القيادة الحالية لمكتب الإرشاد وبين واشنطن. ها هى غزة تخرج بإيعاز من القاهرة من حلف يزودها بالسلاح إلى حلف يعدها مجرد وعد أن يزودها بالمال، وتكف حماس عن كونها تهديدا عسكريا لإسرائيل مقابل فك الحصار عنها، وتُقصف الجماعات الجهادية فى سيناء وأنفاقها ويتم السيطرة على تجارة السلاح بينها وبين غزة، فتصبح لكل هذا الجبهة الجنوبية لإسرائيل آمنة. ثم الثورة السورية، والقاهرة مقر قيادتها السياسية، تمنع كلا من الجيش والمعارضة السوريين من أن يشكل أى منهما رادعا أو تهديدا لإسرائيل، وتخلق قوة معادية لحزب الله على حدوده الشرقية، وتهدده بحرب أهلية فى لبنان تشله عن تشكيل أى تهديد بدوره لإسرائيل، فتصبح الجبهة الشمالية آمنة كذلك. أما الجبهة الشرقية فتحميها اتفاقيتا أوسلو ووادى عربة، فلا يضرب إسرائيل إلا موج البحر. هذا كله مقابل اعتراف سياسى ودعم مالى من الولايات المتحدة ومؤسسات الإقراض الدولية.

 

●●●

 

ثم هاهو الدستور يسمح للأمن أن يعتقل أى مواطن لمدة اثنتى عشرة ساعة دون أن يعرف السبب ودون أن تتلى عليه حقوقه ولا أن يتصل بأهله ولا محاميه. ولا عبرة بأن الاعتقال مشروط بأمر قضائى، لأن الدستور لم يلزم رجال الأمن بإبراز الأمر القضائى للمعتقل. وهو يسمح بمحاكمة المدنيين فى محاكم عسكرية إذا أضروا بدكان حلوى يديره الجيش أو يعمل فيه مجندون. ثم هو يعفى الإمبراطورية الاقتصادية للجيش من الرقابة الشعبية، ولا عبرة بالقول إن ميزانية الجيش سر دفاعى، فأكثر نشاطات المؤسسة العسكرية مدنى. ثم إن الجيش سلاحه أمريكى وتدريبه أمريكى ومناورات نجمه الساطع أمريكية، وهو مقيد باتفاقية سلام تمنعه من حماية سيناء أو تهديد إسرائيل، ما يجعل أمريكا تعرف عنه أكثر مما يعرف عنه المواطن المصرى. ولست أدرى إن لم نكن سنحارب به إسرائيل فلمن نعده؟ أنعده لحرب العراق كما فى 1991 أم لقصف الأنفاق وحرب البدو كما فى 2012؟ إن هذا الدستور يترك سيناء رهينة بحسن نوايا تل أبيب، فهو يمنع أهلها من تسليح أنفسهم ليحموا أرضهم واتفاقية السلام تمنع الجيش من حمايتهم بسلاحه، ويحكم أجهزة أمنية وعسكرية تمويلها وتدريبها أمريكى فى رقاب الناس ويجعل قرار الحرب والسلم بيديها لا بيد الشعب.

 

●●●

 

طيب، لماذا إذن لا أرى الحل فى القيادات الحالية للقوى المدنية والمعارضة؟ لأننى، ومعى كثير من المعارضين، نخالف قيادة الإخوان لأنها ليست ثورية بما يكفى أو ليست ثورية إطلاقا أو هى ضد الثورة جملة، بينما أجد بين قادة المعارضة من يعادونها لأنهم يعتبرونها ثورية أكثر مما ينبغي! فقد يجد المرء من بين قادة المعارضة اليوم أناسا كانوا من ورزاء المخلوع وقضاته وفى أتباعهم بعض ناخبى أحمد شفيق. فى المعارضة اليوم سجين سياسى سابق يرى أن الخطر على سيناء هو من حماس وليس من إسرائيل، ويصدق فعلا أن الفلسطينيين يريدون سيناء وطنا بديلا، وفيها مدون يعرف نفسه على أنه محب لإسرائيل وقد قبل دعوة من الجامعة العبرية فى القدس المحتلة ليلقى فيها محاضرة باسم الثورة المصرية. وفى المعارضة اليوم من يتمنى انقلابا عسكريا ويسعى إليه سعيا. وفيها من يذهب إلى البيت الأبيض يستفسر مفجوعا من الأمريكيين: لماذا تساندون الإخوان ونحن كنا حلفاءكم ثلاثين سنة؟! فيرد عليهم الأمريكيون: لقد خدمتمونا ثلاثين سنة ولكنكم فى النهاية كنتم فاشلين لم تضمنوا لنا مصر وثار الناس عليكم، الإخوان يضمنون لنا مصر وغزة وسوريا معا، ثم إننا نفضل أن يكون الإخوان فى الحكم وأنتم فى المعارضة على أن يكون الوضع معكوسا، أنتم حلفاؤنا بالخلقة، والإخوان حلفاؤنا بسبب الاحتياج، فيكون لنا حلفاء فى حكم مصر وفى معارضتها معا. أما إذا كنتم أنتم فى الحكم فلن يجد الإخوان فينا حليفا أيديولوجيا، وهم منظمون فهم أقدر على الإضرار بمصالحنا منكم، فإذا حالفناهم أّمِنَّاهُم، أما أنتم فنحنُ نَأْمَنُكم على كل حال. فى هذا الحوار، والذى أكاد أجزم أنه دار فعلا، قيادة الإخوان مدانة ومنافسوها على عشق واشنطن مدانون.

 

●●●

 

إن جنون الإسلاميين الحميد حين قرروا أن يحاربوا أمريكا وإسرائيل فى الثلاثين سنة الماضية، خارج مصر، هو الذى بنى لهم هذا التعاطف الذى كسبوا به الانتخابات والاستفتاءات فيها. لكنهم استخدموا هذه الشرعية فى الاتفاق مع الولايات المتحدة حين حكموا. إن قيادة مكتب الإرشاد الحالية حكمت بدماء المقاومة لكى تتخلى عنها. لا بد أن تكون بطلا ليكون لتعاونك مع الغزاة معنى. كان لا بد أن توقع بريطانيا اتفاقية 1936 مع الوفد، أكثر حزب معارض لها منذ 1919 لا مع غيره، لأنه يستخدم شرعيته التى أحرزها بقيادة ثورة 1919 ليبيعها فى 1936. وكان لا بد أن يحارب أنور السادات إسرائيل ليسالمها فى 1979، إن شرعيته «كبطل الحرب» ضرورية لكى يستطيع تمرير كونه «بطل السلام». وكان لا بد أن يسالم ياسر عرفات إسرائيل دون بقية القادة الفلسطينيين، لا بد أن يستخدم شرعيته التى أحرزها فى الكرامة وعمان وبيروت ليذهب إلى البيت الأبيض ويوقع اتفاقية أوسلو عام 1993. وكان لا بد أن يكون الإخوان والإسلاميون عموما هم من يبرمون عمليا اتفاق تحالف غير مكتوب مع الولايات المتحدة الأمريكية فى المنطقة كلها بعد الربيع العربى، بعد أن بنوا شرعيتهم على مقاومتها فى العراق وأفغانستان وغزة فى الأعوام العشرة السابقة. ولكن إذا أصبح الشريف نذلا فإن هذا لا يجعل النذل شريفا. لا تجوز مساندة وزراء مبارك وشيوخ قضاته لأن بعض معارضيه الإسلاميين صاروا يشبهونه. كما لم تكن تجوز مساندة حزب الدستوريين الأحرار أو الملك حلفاء بريطانيا القدامى لأن حزب الوفد صار حليفها الجديد.

 

●●●

 

ما العمل إذن؟

 

إن الكتلة الثورية فى مصر هى الأكثر عددا وحضورا فى الميادين، هم الملايين العشرة الذين صوتوا لحمدين وأبى الفتوح أو قاطعوا أو أبطلوا أصواتهم، ورفض أكثرهم الإعلان الدستورى ومشروع الدستور، ولكنهم أقل الناس تنظيما. إذا أسقطوا مبارك استفاد خيرت الشاطر، واليوم أخشى إن لم ينظموا، أن يسقطوا الشاطر لصالح قيادة المعارضة هذه بفلولها أو لصالح الجيش، وأن نستبدل بحليف أمريكا الجديد حليفها القديم. لا بد أن يكون لهؤلاء قيادة تمثلهم ولا تسمح لا للمباركين ولا للشطار أن يستغلوهم بعدُ. قيادة موحدة منظمة تكسر الاستقطاب الإسلامى العلمانى لها برنامج موحِّد: ضد السفارة الأمريكية وجندى الاحتلال، وضد ضابط أمن الدولة ورجل الأعمال.

 

إن الذى مات أمام الاتحادية وفى ظنه أنه يدافع عن الشريعة كان يرى فى خصمه وجه مبارك والأمريكان، والذى مات أمام الاتحادية وفى ظنه أنه يحمى الثورة كان يرى فى خصمه وجه مبارك والأمريكان، بينما كان هناك نسخ من مبارك فى قيادات الطرفين، أو فى صفوف المتفاوضين بأسماء القتلى من الجانبين، لا أسوى بين القاتل والقتيل، إنما أشير إلى بعض أوجه الشبه المقلق بين قيادتيهما.

 

 أؤرخ: بحلول ديسمبر من عام 2012 كانت مصر قد خلت من تنظيم قيادى ثورى كبير يتحلى بما يمليه عليه التاريخ من جنون لا عقل. أيها الناس إن لم نجده، فعلينا أن نوجده.



اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=18122012&id=6e9decd3-a5e3-47a0-86a8-eb6a0da21026