عن الشوق والضغن

الشروق

الثلاثاء 29 يناير 2013 - 8:50 ص

 

أبدأ هذا المقال متعمدا أن لا أعلق على أحداث الأيام الماضية فى مصر، بل سأكتب عن السفن والنجوم وأفلاطون. يقول الفيلسوف اليونانى القديم إن الدولة كالسفينة، والشعب كصاحبها، والساسة كمجموعة من العاملين على المجاذيف يريدون أن يقنعوا صاحب السفينة أن يختار واحدا منهم ليكون ربان السفينة، والفيلسوف، معتزل الجميع ويراقب النجوم، ويتحمل سخرية القوم. وبينما يرى كل أهل السفينة أن لا خير يرجى ولا شر يخشى من متأمل النجوم هذا، يعرف الله وحده، تقريبا، أنه هو أكثرهم أهلية واستحقاقا ليكون ربان السفينة وقائدها، لأنه، بتأمله للنجوم يعلم الاتجاهات والخرائط ومواقع البر والبحر، ويعلم الفصول وأوقات المد والجزر والبرد والحر، ومن تأمله فى الغيوم يعلم احتمالات العواصف والأمطار وهياج الموج أو هدوئه.

 

وأنا لا أورد ما قاله أفلاطون هنا مقرا له ولا متفقا معه، من حق كل أهل السفينة المشاركة فى تحديد مسارها ولا يجوز أن ينفرد المتأمل فى النجوم بالقيادة دونهم، ولكن، وفى المقابل، فإنه لا يجوز لأهل السفينة أن يهملوا متأمل النجوم هذا ورأيه، أو أن يدينوا نأيه بنفسه عن صراعاتهم على قيادة سفينة قبل أن يحددوا لأى بر يريدون قيادتها.

 

•••

 

ولأن لمصر، كجوهر الأرض، قوة جاذبية، فإننا كلما حاولنا أو حاول خيالنا البعد عنها والطيران عدنا إليها هبوطا بعد ارتفاع بقوة الطبيعة، فإن استطعنا أن ننفذ من أقطارها وخرجنا عن نطاق جاذبيتها وحررنا خيالنا منها، وصرنا فى فضاء خارجى مليء بأراض ونجوم أخرى، ثم التفتنا إلى أزرقها وأبيضها المدور المستوحد فى السواد، عدنا إليها بقوة الحنين. وما إن نعود حتى تنازعنا النفس رغبة فى الخلاص من الجاذبية مرة أخرى والطيران. ففى المصريين خصلة من خصال الحمام، رغبة دائمة فى الطيران والذهاب والتنفس، ورغبة دائمة فى العودة والإلف، ناس من نفور وحنين، والنفس بينهما مشدودة كالوتر. كان أبو تمام حبيب ابن أوس الطائى، وهو كما تعلم قضى بعض صباه فى مصروحسب بعض الروايات كان يسقى الماء فى جامع عمرو بن العاص بالفسطاط، يصف قلبه ورغبته الدائمة فى الارتحال والعودة، فيقول: «كأن به ضغنا على كل جانبٍ...من الأرض أو شوقا إلى كل جانبِ». لذلك فإن محاولتى للهروب من التعليق على ما حدث قى مصر فى ذكرى الثورة من مآس جليلة، إلى الأمثلة والمجازات الإغريقية، لن تنجح، وسيعيدنى الكلام مرغما إلى ما جرى فى البلاد.

 

 فى مصر غليان شعبى عشوائى، وبلا قيادة ولا اتجاه، أو هو فى اتجاهات متضادة، كلها ناتج، فى رأيى، عن خيبة أمل كبرى بعد الثورة. قام الناس بثورة غالية لكى يجدوا أنفسهم أمام ثلاثة بدائل رديئة كلها، ثلاثة عاملين على السفينة يحسنون التجذيف والصياح ويسيئون الملاحة، أما الأول فجيش سلاحه وتدريبه وماله وتحالفه الاستراتيجى هو مع الولايات المتحدة،،  والثانى جماعة إسلامية قررت قيادتها أن تبقى مصر حليفة للولايات المتحدة، والثالث، قيادة ليبرالية تضم بين صفوفها من لا يجد خلافا أيديولوجيا ولا اقتصاديا ولا استراتيجيا مع الولايات المتحدة، ولا تضمن فى برنامجها أى بند يغضب الولايات المتحدة أو رجال الأعمال أو إسرائيل، فهى لا تختلف جوهريا عن البديلين السابقين.

 

•••

 

البديل الأول العسكرى يأكل ثلث رزق البلاد إلى نصفه فى ميزانية لا نعرف عن تفاصيلها شيئا وسلاحه يصلح للدفاع عن مصر ضد كل الخلق إلا إسرائيل، وهو يبقى مصر مستعمرة أمريكية منذ أنور السادات. والبديل الثانى الإسلامى أثبتت قيادته أنها أقل الجماعات الإسلامية فى العالم ثورية وجهادا ومقاومة، وأكثرها مهادنة ومفاصلة ومراوغة وتجارة ودكاكين بقالة، فشتان ما بينهم وبين المقاومين فى لبنان وفى فلسطين وفى العراق، وهم أقرب ما يكونون سياسة للمملكة العربية السعودية، ويحنون حنين النيب إلى الحلف الإسلامى الأمريكى الذى ساد فى السبعينيات والثمانينيات ضد الاتحاد السوفييتى، يريدون أن يجددوه ليكون حلفا جديدا ضد روسيا والصين وإيران والمرأة والمسيحيين والشيعة والبهائيين بل وضد حبة البركة ولكنه ليس ضد إسرائيل وأمريكا. وأما البديل الثالث، ففكرة أحمد لطفى السيد الذى خطب فى افتتاح الجامعة العبرية فى القدس، ومحمد محمود باشا، رئيس الوزراء ووزير الداخلية ورئيس حزب الدستوريين الأحرار والذى باسمه وباسمها أطلق الرصاص على المتظاهرين فى العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضى، وما زال اسمه علما على البطش إلى يوم الناس هذا، وسعد باشا زغلول الذى كان يضع صورة للورد كرومر فى مكتبه ويحتقر مصطفى كامل، ويرى أن مهمة بريطانيا فى مصر هى مهمة تربوية فى الأساس، وأن على المصريين أن يتعلموا من البريطانيين لكى يشبهوهم، وهو نفس منطق كرومر، غاية ما هنالك أن سعدا والبريطانيين اختلفوا على موعد التخرج من المدرسة، ومصطفى باشا النحاس الذى وقع اتفاقية تحالف وصداقة مع بريطانيا العظمى وهى تحتل مصر.

 

إننى ابحث فى مصر عن خطاب ثورى شجاع يقول ما يلي: إن المشكلة المالية تحل بتخفيض الإنفاق العسكرى لإنعاش الاقتصاد، فالجيش الذى يأكل نصف أموال الدولة لن يحمينا من إسرائيل بسلاح أمريكى، والمقاومة الشعبية على الطريقة اللبنانية أكفأ ردعا ودفاعا وأقل تكلفة، وأن فوائد الديون التى ندفعها للدول الأجنبية سرقة، وأننا لن ندفعها، فعلتها من قبلنا دول كثيرة، ومن خاف أن يرى بوارجهم فى الإسكندرية فليعلم أن من عجز فى العراق وافغانستان لن يقرب مصر. أبحث عن خطاب يقول إنه سيعيد النظر فى كل عقود النفط والغاز المصرية، وفى قواعد المرور فى قناة السويس، وأن فوائض المال ستنفق على أهل البلاد، وأننا سنزرع قمحا بدلا من أن نستجديه من الولايات المتحدة، وأن حدا أعلى وأدنى للأجور سيفرضان. وأن وزارة داخلية جديدة ستبنى من الأساس، بحيث تلغى منها كل أفرع الأمن السياسى، المعلن منها والخفى، وتحول أكثر ميزانياتها إلى الأمن الجنائى، فتكون أكثر كفاءة وأقل تكلفة، ثم يستخدم الوفر فى الصرف على الصحة والتعليم.

 

•••

 

إننى أرى أن القوى السياسة فى مصر مستعدة لتهديد المصالح الأمريكية وهى فى المعارضة لكى تحافظ عليها وهى فى الحكم. بعضهم يقولون إنهم ذاهبون للقدس وهم فى المعارضة ويذهبون لواشنطن وهم فى الحكم، وبعضهم الآخر يقولون إنهم يريدون حقوق الفقراء وهم فى المعارضة وهم باشاوات أولاد باشاوات، حلفاؤهم رجال أعمال ووزراء سابقون، وسنرى مدى اشتراكيتهم وجهادهم إذا حكموا.

 

اكتفيت من الجاذبية الأرضية لمصر، اكتفيت من صياح أهل المجاذيف يضرب بعضهم بعضا وكلهم يريدونها أن تذهب لنفس الشاطئ الخرب الذى أقلعت منه لأنهم أجبن من الموج. ليكن الاصطفاف على أساس من يخاف أمريكا ومن لا يخافها، من يمنع المال من الأمريكان والعسكر وأجهزة الأمن ويعطيه للفقراء ولا يأخذ مال الفقراء ليعطيه للأمريكان والعسكر وأجهزة الأمن، ولا يكون الاصطفاف على أساس من يطيل لحيته ومن يحلقها، فإن وجود الشعر فى الوجه أو عدمه ليس برنامجا سياسيا. وحتى يجتمع من يعتقدون فى هذا الكلام ويشكلوا بديلا سياسيا رابعا، سنظل نراقب السماء الذائبة فى وجوه الناس، ويبقى بنا ضغن على كل جانب من الأرض، أو شوق إلى كل جانب.



اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=29012013&id=ae4003ec-7821-4b6c-86f6-9605ce5f96e6