عن الإجماع والوضوح

الشروق

الثلاثاء 12 فبراير 2013 - 8:37 ص

 

رجل يُسحل عاريا، ثم ينكر أنه سُحل عاريا، ولأنه سحل عاريا يعتذر له وزير الداخلية. وزراة هذا الوزير تعتذر وتقتل الناس من التعذيب إذا تجرأ أحدهم ورفض أن يسبه الضابط بشرف أمه، وإن لم تقتلهم من التعذيب، هددتهم به، وبالاغتصاب، حتى وإن كانوا أطفالا فى الثانية عشرة من العمر، فإن لم يكن ثم وقت للتعذيب والاغتصاب فثم وقت للرصاص. يضحى بالناس لتعيش الحكومة. والحكومة تولت الحكم بعد ثورة الناس الذين تقتلهم. والثورة لا قائد لها ولا إجماع بين ثوراها ولا ثوار فى ميدانها، وميدانها يشهد تحرشا جماعيا بالنساء بعد أن شهد مظاهرات لا مثيل لها عددا وجلالا. والعدد لا يزيد لشهور عن سكان خيمتين ونصف خيمة يمنعون السيارات من المرور فى الشوراع ويفرضون على سائقيها الإتاوات، ممارسين بذلك غصبا وإرغاما وإرهابا واحتلالا على الناس الذين يزعمون أنهم منهم وأنهم ثاروا من أجل حقوقهم. نائب فى مجلس الشيوخ الأمريكى يلقى من حكومة «الثورة» ترحابا وحسن تنظيم لزيارته أكثر مما يلقى رئيس تونس ورئيس إيران، ومعارضة تكره تحالف الحكومة مع واشنطن من باب الغيرة، وتتمنى أن تستأمن الولايات المتحدة الأمريكية المعارضة على مصالحها بدلا من الحكومة...أيها الناس، خربت مالطة، هاتوا أدواتكم سنبدأ من جديد.

 

•••

 

لن تفشل هذه الثورة، لن نسمح لها أن تفشل. نعم إن قرار الإخوان المسلمين بالتحالف مع الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ورجال الأعمال ووزارة الداخلية والمؤسسة العسكرية المحفوظة مزاياها فى الدستور، قصم ظهورنا لأن الجماعة كانت الكيان المنظم الوحيد بين صفوف معارضة مبارك، وبقرار قيادتها أن لا تتبع برنامجا ثوريا أربكت الشعب المصرى كله، لأنه لم يكن لدينا بديل منظم جاهز لها. ودليل انعدام التنظيم أن القوى الثورية لم تستطع أن تجبر مرشحيها الرئاسيين على التوحد خلف مرشح واحد، وإن كانت تستطيع أن تدعو الناس إلى التظاهر فإنها لا تستطيع التحكم فى من يعتصم ومن يبقى ومن يغلق الميدان ويفتحه ومن يواجه ومتى وكيف وضد من. أقول، نعم، الجزء المنظم من الشعب المصرى، خارج دولة مبارك، أى جماعة الإخوان المسلمين، قررت قيادته أن لا تكون ثورية، وهذا خلق فراغا لأنه ليس لأحد غيرهم تنظيم.

 

إذن لا مفر من بناء تنظيم بديل. وللتنظيم أنواع، هناك تنظيمات هرمية وأخرى شبكية، الهرمية قائمة على الطاعة، والشبكية قائمة على القناعة. التنظيم الهرمى، كالجيش أو الدولة أو الجامعة، له رئيس وتحت الرئيس مجلس وتحت المجلس فِرَق أو شُعَبْ أو خلايا وتحت هذه قواعد، والأمر يصدر من المستوى الأعلى إلى الأدنى، وإن كان التنظيم ديمقراطيا فإن المستويات الأعلى عادة ما تنتخب من المستويات الأدنى، ولكن ما إن تتم عملية الانتخاب، أو تنعقد البيعة، فإن على المستويات الأدنى أن تطيع المستويات الأعلى بلا كثير جدل.

 

أما التنظيمات الشبكية، فتحل فيها الفكرة محل القائد، أو مجلس القيادة. تكون الفكرة مقنعة لعدد من الناس، فيقررون أن يتصرفوا بناء على اقتناعهم بهذه الفكرة، ورغبة الناس فى تحقيق هدفهم الموحد تملى عليهم، بشكل تلقائى تقريبا، تنسيق جهودهم دون وجود جهة مركزية تنسق بين هذه الجهود. مثلا، تنتشر فى فلسطين عام سبعة وثمانين فكرة أن المقاومة المدنية للاحتلال الإسرائيلى ممكنة، وأن شكل المواجهة هو خروج الشباب لمواجهة قوات الاحتلال بالحجارة، فيكتشف الناس، بدون قيادة مركزية، أن خروجهم فى مجموعات صغيرة وكثيرة ومنتشرة هو أنفع فى مواجهة الجنود من خروجهم فى مظاهرة واحدة تأتى من جهة واحدة يسهل على الجنود إطلاق النار عليها، فتصبح هذه القناعة دافعا لكل شاب فى منطقة المواجهات أن ينزل فى جهة معينة دون غيرها، دون أن يكون تلقى تكليفاُ أو توجيها بذلك. كذلك، كانت المقاومة العراقية للاحتلال الأمريكى، حيث انتشرت فكرة أن الأمريكيين غزاة ولا بد من إخراجهم، فكان كل خمسة أو ستة من العراقيين يشكلون جماعة مقاومة، دون أن يكون لهم بالضرورة اتصال بغيرهم من الجماعات، ولكن تراكم أعمال المقاومة أدت إلى رفع تكلفة الاحتلال وانتهائه بهزيمة سياسية للولايات المتحدة. وفى مصر، كانت الثورة نفسها مثالا على التنظيمات الشبكية، نزل الناس من بيوتهم دون أن يتلقوا أوامر، وقرروا الاعتصام دون أن يتلقوا أوامر، وقرروأ ان لا يكونوا عنيفين مع الجيش دون أن يتلقوا أوامر.

 

•••

 

وفى السنوات الأخيرة ظهر أن التنظيمات الشبكية، لأنها بلا قيادة، أكثر مناعة من الهرمية التى ما إن تصاب قيادتها حتى تنهار. إن الجيوش النظامية انهزمت فى حروبها أمام حركات المقاومة الفدائية، وإن دولة بيروقراطية مركزية كدولة مبارك سقطت أمام مجموعة من المتظاهرين بلغت أعدادهم الملايين لم تكن لهم قيادة عليا تنظم اتصالات بعضهم ببعض مركزيا، وهلم جرا. لذلك ربما كان المتوقع أن يكون التنظيم الذى سيلجأ المصريون إلى بنائه لتعويض فقدانهم تنظيم الإخوان المسلمين كقوة ثورية، تنظيما شبكيا.

 

ولكن لكى يكون التنظيم الشبكى مفيدا فإن عليه أن يقوم بكل وظائف التنظيم الهرمى بكفاءة. حتى الآن فإن التنظيمات الشبكية أثبتت كفاءتها كقوة تفكيكية لا بناءة، بمعنى أن المظاهرة القائمة على توارد خواطر الآلاف من جهات مختلفة على حصار فرقة أمن مركزى تستطيع أن تهزم فرقة الأمن المركزى المعنية، ولكن هل تستطيع أن تحفظ الأمن فى أنحاء البلاد، لا ليوم أو ليومين، بل لعشرات السنين؟ أعنى هل يمكن للشبكة أن تحل محل الهرم، للمظاهرة أن تحل محل الحكومة، وللثورة أن تصبح نظاما سياسيا؟

 

الإجابة عندى بنعم، ممكن، ولكن هذا يحتاج، فى رأيى، لشرطين على الأقل، الأول هو وضوح الفكرة التى تقوم الشبكة على عليها، والثانى هو الإجماع. أعنى أن الثوار فى مصر استطاعوا أن يتعاونوا دون أن يكون بينهم جهاز منسق طالما كان هدفهم واضحا وهو إسقاط مبارك، ولكن ما إن سقط حتى لم يعد واضحا من يريدون بديلا له، كما لم يعودوا مجمعين على موقفهم من المجلس العسكرى ثم من جماعة الإخوان المسلمين. إنه فى حالة غياب الوضوح والإجماع من الشبكة، فإن الكيانات ذات التنظيمات الهرمية دائما ما تنتصر عليها، إن شعبا مقسما طائفيا، سينتصر جيشه على ثواره، وإن ثوارا مفترقين غير متفقين على برنامج واضح سينتصر جيشهم وحكومتهم عليهم.

 

•••

 

نحن إذن بحاجة إلى خطاب واضح لهذه الثورة، يتعدى شعارات الخبز والحرية التى يتفق الجميع عليها ويختلفون على معناها. على المصريين من معارضى الحكم الحالى أن يجمعوا على موقف من كل شيء، من الحد الأدنى والأعلى للأجور وخفض الإنفاق العسكرى والأمنى مقابل زيادة الإنفاق على الصحة والتعليم، إلى حرية التعبير والتنظيم السياسى، وإلغاء اتفاقية السلام والتحالف مع روسيا والصين وإيران ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، بل عليهم أن يجمعوا على من يريدونه رئيسا، وإن كانوا يريدون انتخابات رئاسية مبكرة، أو استفتاء على ذلك أو إقالة الحكومة، أو تفكيك الداخلية أو الانتظار أربع سنوات، إلى آخر ما هنالك، وهو ما يعنى طرد الفلول وشجاعة المطالب.

 

أعرف أن هذا الصعب، ولكنه ممكن، ولم تكن الثورة نفسها أصعب منه، أما بديله، فهذا الذى نحن فيه.



اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=12022013&id=154c529c-0665-415d-9ff1-654d31ca6910