السيف وأسطار البلاغة

الشروق

الأربعاء 27 فبراير 2013 - 8:31 ص

 

يقال إن عبدالحميد الكاتب، وكان يعمل لدى مروان بن محمد آخر خلفاء بنى أمية فى الشام، أرسل إلى أبى مسلم الخراسانى، قائد جيوش الثوار العباسيين، رسالة طويلة جدا، لدرجة أن رقاق الجلد التى كتبت عليها حملت على جمل، وكان هدف أبى مسلم أن توقع بلاغته الشقاق بين صفوف الثوار، فهم فرس وعرب، والعرب منهم منقسمون إلى مضرية ويمنية، وشيعة وسنة، بل وبعضهم خوارج، وهم خرجوا لإسقاط بنى أمية دون أن يتفقوا على بديل واضح لهم، لأن أهواء الثوار كانت مختلفة، بعضهم يرى أن الإمامة حق لأولاد الحسين بن على بن أبى طالب، وبعضهم يراها حقا لأولاد أخيه الحسن بن على، وفريق ثالث يراها حقا لبنى هاشم عامة ويرى أن بنى العباس بن عبدالمطلب أولى. أما قائد الجميع فمولى فارسى كان يأتى بالطعام للمساجين الهاشميين فى سجون بنى أمية، وليس ذا قبيلة أو عصبية تضمن له ولاء الناس. فلما وصلت رسالة عبدالحميد الكاتب إلى أبى مسلم الخراسانى، يقول الرواة، أمر أبو مسلم أن تحرق الرسالة بالنار قبل أن يقرأها، ثم أخذ طرفا محترقا منها حجمه كحجم أذن الحصان، وكتب عليه بيتا مفردا من الشعر: «محا السيفُ أسطارَ البلاغةِ وانْتحى/ عليك ليوثُ الغابِ من كل جانبِ» ثم أمر الرسل بإعادتها إلى عبدالحميد.

 

لم يفسر أكثر المؤرخين البيت لأنهم اعتبروا أن معناه واضح، أبو مسلم يقول إن القوة العسكرية معه، أى السيف، وأن بلاغة عبدالحميد لن تفيد فى ثنيه عن عزمه، وأن الأسود من ثوار بنى العباس قد أقبلوا على مروان لينزعوا ملكه ولا مرد لذلك، وتكون عبارة «من كل جانب» فى نهاية البيت حشوا أو بمعنى التكاثر لا غير. ولكن البيت أبلغ من ذلك، أو يمكن أن يكون أبلغ حسب قراءة المتلقى له، فقد يكون السيف المقصود هنا سيف بنى أمية، أى أن جرائم بنى أمية ضد بنى هاشم، وضد الناس عموما، تمحو سطور بلاغتهم، فالغضب المكنون فى صدور الناس لما تراكم من جرائمهم يمنعهم من تلقى بلاغتهم وقراءة رسائل كاتبهم، فما خطه بنو أمية بالسيف يمحو ما خطه كاتبهم عبدالحميد بالقلم. أما الشطر الثانى، فآخره أهم من أوله، فليس المهم أن يصف أبو مسلم جنوده بليوث الغاب، فهو وصف مكرر ومتوقع، لكن المهم أن يشير أبو مسلم إلى كونهم أتوا «من كل جانب» فمنهم الفارسى والعربى والسنى والشيعى والخارجى والمضرى والقحطانى والحر والعبدوالغنى والفقير والعراقى والحجازى والشامى،  وكلهم جرحهم «سيف» بنى أمية، فوحدهم فى طلب الثأر، فلن تفرق بينهم «أسطار البلاغة» التى بعث بها عبدالحميد.

 

•••

 

كنت كتبت من قبل أن إجماع الناس على سردية أو عقيدة أو فكرة معينة، قد يحل محل القيادة المركزية لهم، فتملى الفكرة على الناس تصرفهم دون أن يكون هناك جهاز مركزى يأمرهم. انظر إلى الصلاة، فباستثناء الدول التى تحتوى وزارات داخليتها على أجهزة أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فإن ملايين الناس يفعلون الشيء نفسه فى الوقت نفسه دون أن يكون هناك آمر يأمرهم ويراقبهم، وإننى لا أظن أن المأمور يصلى أكثر من غير المأمور، وإن صلى مأمورا فإن صلاته لا تجوز. إن الفكرة هنا، أملت على الناس الفعل بكل تفاصيله الدقيقة، من زمن الصلاة حتى حركة الإصبع فى التشهد. هى فكرة واضحة التفاصيل، ومجمع عليها. والثورة كالصلاة هنا، على الناس أن يثوروا مقتنعين لا مأمورين، مختارين لا مجبرين. فإن كانوا كذلك فإنهم لا ينكسرون لأنهم لا قيادة لهم ينكسرون بانكسارها أو يخطئون أخطاءها. إلا أن الضعف فى هذا النموذج السياسى القائم على حلول الفكرة محل التنظيم المركزى، هو أنه ينهار فى غياب الإجماع. فإذا انقسم الناس سنة وشيعة، ومسلمين ومسيحيين، وإسلاميين وعلمانيين فإن الفكرة تصبح اثنتين أو ثلاثا أو أكثر، ولا تكف الفكرة عن الانقسام كالأميبا، فينقسم المسلمون سنة وشيعة، ثم ينقسم السنة إلى سلفيين وصوفية، ثم ينفسم السلفيون إلى جهاديين وغير جهاديين، وينفسم الجهاديون إلى من يرى جهاد غزاة خارجيين ومن يرى جهاد المرأة والمسيحيين والعلمانيين والعاملين بالسينما والمسرح وهلم جرا.

 

لذلك فإن الثورات فى بلادنا، حتى الآن، لم تنجح فى البلاد المنقسمة طائفيا أو قبليا، وتحولت إلى صراع عسكرى. وإذا دخل الناس فى طور النزاع العسكرى خرجوا على الأرجح من نموذج القناعة والإجماع إلى نموذج الطاعة، طاعة الأعزل للمسلح وطاعة المسلح لمن يزوده بالسلاح.

 

•••

 

يبدو لى أن عبدالحميد الكاتب، كان يرى أن الثورة العباسية على الأمويين، هى ثورة فكرة مجمع عليها، لم يعد بين الصين والمغرب أحد مستعد للدفاع عن بنى أمية، وهم مجمعون على عداوتهم للأمويين لدرجة أنهم لم يحتاجوا قيادة واضحة، لم يكن لهم إمام يقاتلون فى سبيله، بل أبقوا هوية الإمام مبهمة وكانوا يأخذون بيعة الناس «للرضا من آل محمد» أى لمن يرضاه المسلمون من أسرة النبى، بل وأبقوا تعريفهم «لآل محمد» مبهماَ فلم يحددوا إن كانوا يعنون بنى فاطمة خاصة، أم كل بنى على أم بنى العباس أم غيرهم من بنى هاشم. كان عبدالحميد يعلم أن الشبكة العباسية يمكن أن تنفرط إذا أثار بين الناس اختلافا حول القيادة، وكان أبو مسلم يعلم ذلك أيضا فرفض فتح هذا الباب وأحرق الرسالة قبل فضها.

 

لم يكن الثوار فى مصر يعرفون من يريدون أن يحكم مصر بعد مبارك، كان الإسلاميون أو أكثرهم، يرون أن أى بديل ديمقراطى لمبارك وإن كان علمانيا هو خير من مبارك، وكان العلمانيون، أو أكثرهم، يرون أن أى بديل منتخب لمبارك وإن كان إسلاميا هو خير من مبارك. إنما وقع الخلاف بينهم بعد ذلك، وحين وقع الخلاف، ذهبت من الشارع قوته، وعادة القوة للمكاتب، مكاتب العسكر أو مكاتب الساسة، وتعطلت قوة اندفاع الثورة بعد استكمال هدفها الأول، وهو الإطاحة بمبارك، وقبل استكمال أهدافها الأخرى.

 

•••

 

إن علينا اليوم أن نبنى إجماعا على فكرة، فكرة واضحة وضوحا يؤجل اختلافنا على تأويلها أو تفاصيلها إلى أمد بعيد، أو هو بعيد بما يكفى لنبنى نظاما سياسيا مستقلا عن الاستعمار الخارجى والاستبداد الداخلى والنهب الاقتصادى. لم يختلف الثوار العباسيون إلا بعد أن سقط مروان بن محمد ثم أنهى أبو العباس السفاح خطر بنى أمية كلهم، وولى المنصور من بعده، الخليفة الذى أسس بغداد وأتم بناء نظام سياسى بديل. إننا سنختلف كثيرا على الأسماء، من منا إسلامى ومن منا علمانى، ولكنك ستجد علمانيا وإسلاميا يعاديان إسرائيل والداخلية والنهب الاقتصادى، وستجد علمانيا وإسلاميا لا يريان بأسا فى التعاون مع إسرائيل والداخلية وناهبى الاقتصاد. لنكن إذن واضحين فى أهدافنا غامضين فى أسمائنا وملامح وجوهنا. ليس صدفة أن الثائر يتلثم، وجهه مبهم وهدفه واضح، اسمه مجهول ونيته معلومه، ليس له حزب ولكن له برنامجا واضحا جدا. وإننا كلما اجتمعنا على شيء سنجد من يريد أن يفرق أسماءنا لعلمه أن فى اجتماعنا قيام ملكنا وزوال ملكه.



اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=27022013&id=0c4b1cf2-1228-4729-9c50-fdd10a7ec768