سيوف الريش

الشروق

الثلاثاء 12 مارس 2013 - 9:33 ص

 

قررت اليوم الهروب من حاضر مزعج إلى تاريخ أكثر إزعاجا، على أننى لا إخالنى أفلح فى الهروب.

 

 كان شعب الأزتيك فى المكسيك القديمة مؤمنا بأن الشمس لا تشرق حتى تقدم لها أضحية بشرية. رواية الخلق فى دينهم  تقول إن الآلهة اقترعوا فيما بينهم ليضحى أحدهم بنفسه ويصبح هو الشمس واهبا الحياة للخلق، فوقعت القرعة على أحدهم فخاف أن يضحى بنفسه فتطوع إله غيره بالتضحية بنفسه. فخجل الإله الخواف فضحى بنفسه هو الآخر، فخلق العالم بشمسين، فخاف الآلهة على العالم من الاحتراق فقرروا أن يكون الإله الشجاع هو وحده الشمس وأن يتكون الإله الخواف أقل حجما ونورا ومكانة ورسموا على وجهه صورة أرنب علامة الخوف وجعلوه القمر. وطلب الآلهة من البشر أن يضحوا كل يوم برجل منهم أو أكثر سدادا للدين وإلا أظلم العالم عليهم، وهى قصة لطيفة لولا أن أهل المكسيك القدامى أخذوها على محمل الجد، فكان ملوك المكسيك يقدمون على التضحية بأشجع أسراهم بل كانوا يأسرون الآلاف خصيصا ليضحوا بهم فى معابدهم المبنية على شكل أهرامات مدرجة، وكانوا يقتلون عشرات الآلاف من الضحايا فى مناسباتهم الدينية والمواسم الزراعية. حتى قيل إن حوائط المعبد الأكبر فى العاصمة كانت مغطاة بطبقة سميكة من الدم البشرى. وإله المطر بالتحديد وهو إله له عيون ضفدع وأنياب فيل، كانت تقضى عبادته عندهم أن يكون ضحاياه أطفالا، وكان المؤمنون به مقتنعين أن بكاء الأطفال بغزارة إذا أخذوا إلى المذبح علامة موسم غزير الأمطار. أما طرق قتل الضحية فمختلفة لكن أشهرها فى الكتب وحتى فى السينما هى نزع القلب. حيث يعامل الضحية على أنه إله لفترة من الزمن، ثم يطلى باللون الأزرق علامة على أنه قد صار «سماويا» أى منذورا للآلهة، ثم فى اليوم المعلوم يؤخذ هذا البائس السماوى إلى قمة معبد ما ويقيد اثنان من الكهان يديه وقدميه بينما يقوم ثالث بشق صدره ونزع قلبه ووضعه فى إناء «مقدس» ثم يلقى جسد الضحية فيتدحرج من قمة الهرم إلى أسفله.

 

وفى بعض الأحيان كانت تهب على الكهنة نسائم الرحمة والعدل فيقررون أن يعطوا للضحية فرصة للدفاع عن نفسه، ويسمحون له أن يبارز مقاتلا منهم فإن غلب فقد نجا بحياته وإن انغلب ضحوا به، غير أن مفهوم الكهنة للعدالة كان يقتضى أن يكون سيف الضحية مصنوعا من الريش.

 

•••

 

كنت فى المتحف الوطنى فى المكسيك أشاهد قلائد مصنوعة من عظام الضحايا حين قلت لبعض أصدقائى مازحا، ألم يكن يصاب كهنتهم بالأنفلوانزا ليومٍ واحد طوال خمسمائة سنة فيعجزوا عن تقديم الضحية وتشرق الشمس على الرغم من ذلك فيعرف الناس كم أن كهنتهم مجانين ومجرمون؟  أما كان فى الناس طائفة متهورة إلى حد اختبار مقولة نهاية العالم تلك، فتخاطر بعدم تقديم الضحايا حتى لو انهار العالم لتعرف، حين يبقى العالم سليما، أن تقديم الضحايا خبل محض؟ هل كانوا كلهم مؤمنين إلى هذا الحد؟

 

الأمر أبعد من ذلك، لم يكن أهل المكسيك القدامى بلهاء، وقد بنوا حضارة من أهم وأغنى الحضارات فى النصف الغربى من الكرة الأرضية وأزعم أن فيهم نسبة لا بأس بها من الشكاكين بذلك الدين العجيب، ولكن السياسة هى التى جعلت هؤلاء ساكتين والقوة لغيرهم من الكهنة والملوك. إن تقديم الأضاحى كانت وسيلة من وسائل السيطرة والحكم، لم يكن الهدف من تقديم الأضاحى  تهدئة الآلهة بل تخويف العامة. لقد اخترع القوم الآلهة وقصص الآلهة ليعطوا شرعية لنظام سياسى يمارس سلطته وقدرته على القتل الجماعى علنا وعلى مرأى الجميع ومسمعهم. كيف كان لزارع ذرة مكسيكى فى القرن الخامس عشر مثلا آن يتحدى المؤسسة السياسية القائمة على تحالف الكاهن والملك وهو يرى الضحايا الزرق يتدحرجون  تباعا على أدراج الأهرامات؟ ولتقديم الأضاحى وظيفة أخرى فهو دافع مستمر للحرب ولتقديس المؤسسة العسكرية، إن الجيش هو الجهة الوحيدة التى تحول بين المكسيكى القديم والخنجر الحجرى المنتظر أعلى الهرم. إن انتصر جيشه فقد نجا وإن هزم جيشه فقد يجد نفسه مطليا بالأزرق ويرى قلبه منتزعا من صدره بعينيه

 

إن هذه الرهبة، لا رضا إله له عينا ضفدع ونابا فيل، هى جائزة الكاهن وأجرته ورزق الملك وبغيته. بل يكاد المرء يتخيل أن كهنة ذلك الزمان، لا سيما أكثرهم تشددا وقسوة، كانوا يعلمون أن الآلهة  هى التى تعمل عندهم خدما لا العكس. كان الكهنة يعلمون علم اليقين أنهم لو توقفوا عن طلى الناس بالأزرق وانتزاع قلوبهم فإن الشمس ستشرق والعالم سيبقى بخير، ولكن عالمهم هم سوف ينهار حيث أن أحدا لن يخافهم بعد ولن يطاعوا، وإن لم يطاعوا تحولوا من كهنة إلى مجاذيب مثيرين للفضول لا أكثر.

 

 ولا يضاهى قسوة الكاهن والحاكم على من كان أضعف منهما من الأسرى المضحى بهم إلا جبنهم فى مواجهة الغزاة. فحين أتى الإسبان إلى المكسيك، قال الكهنة للناس إن الإسبان آلهة وإن هرنان كورتيز القائد الإسبانى الذى جاء لينهب البلاد ويستعبد أهلها ما هو إلا تجسد لإله الحكمة المدعو كواتزكواتل وقالوا لهم إن الكتب القديمة تنبأت بقدوم كواتزكواتل وهو فى العادة ثعبان طائر له ريش ملون  فى هيئة رجل شاحب الوجه ملتح يأتى من البحر هو  فى الحقيقة كورتيز.  (فى عام ١٧٩٨ حاول نابليون أن يصدر فتوى من شيوخ الأزهر أنه هو المهدى المنتظر وأصدر بيانا بعد ثورة القاهرة الأولى يطلب فيه من المشايخ أن يزعموا أن بونابرته  الكورسيكى هذا مذكور فى عشرين آية من القرآن) وحين اختطف هرنان كورتيز ملك الأزتيك وهدده بالقتل إن لم يأمر جنوده بالاستسلام أمر هذا الأخير بصفته الكاهن الأكبر والإمبراطور الأعظم قومه بالتسليم للغازى.

 

•••

 

إن الدين   قوة ما كان مجازا ثقافيا وهوية جامعة يلتف حولها الناس لمواجهة غزاتهم أو لاستنباط المؤسسات الحاكمة التى يرتضونها، تتوحد به القبائل وتبنى به الممالك، ويكون قوة ثورية تفكك المؤسسات الخربة للإمبراطوريات  ويعطى الأمل للمستضعفين، يكون الدين كذلك ما كان مفتوحا لكل المؤمنين يقتنعون به ولا يجبرون عليه ولا يحتكر بعضهم تفسيره وتأويله دون البعض الآخر، وإلا فهو سيف من ريش، إن حضارة قائمة على الخوف لا القناعة لم تصمد أمام الغزاة  أضعف منها، كانت قوات كورتيز تعد بالمئات بينما كان جيش المكسيك يضم ثمانين ألف مقاتل، ولكن الثمانين ألفا تدربوا على الخوف أكثر من دربتهم على القتال. سقط نصف العالم الغربى جفلة وتفاجؤا واندهاشا وانبهارا وفزعا من بضع مئات من الغرباء. أقول طوبى لمن وجد فى الدين قيمته السياسية الأصلية،  قيمته كفكرة ثورية قوتها الأساسية هى اقتناع الناس بها. والويل لمن يختصره إلى وسيلة إجبار وتخويف.  هو الفرق بين بطرس الرسول يهدم إمبراطورية ظلم فى روما ويستشهد وبين البابا ألكسندر السادس يقيم إمبراطورية ظلم فى روما بذريعته، هو الفرق بين نبي يوحد العرب باسم العدل ومكارم الأخلاق ويزيد بن معاوية يفرقهم باسم الطاعة الواجبة له مهما فعل،  هو الفرق بين الثورة، ونظام الحكم.



اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=12032013&id=730debb0-ee54-402d-bf15-7422b2e47b59