الإسلام السياسى ضد الإسلام السياسى

الشروق

الثلاثاء 9 أبريل 2013 - 8:52 ص

 

فى غمرة الغضب من أداء جماعة الإخوان والسلفيين فى مصر، أخاف على الإسلام السياسى. وقد يسأل سائل، أليس الإخوان المسلمون والسلفيون ومن لف لفهم هم الإسلام السياسي؟ هل أخاف على الإسلام السياسى من نفسه؟ أليس ثمة تناقض فى هذه المقولة؟ والرد عندى، والذى من أجله أكتب هذا المقال، هو أن الإسلام السياسى كما أفهمه مختلف اختلافًا جذريًا عن ما تمثله الكيانات الإسلامية فى مصر اليوم.

 

كنت كتبت سابقًا، أن كونى فلسطينيًا مصريًا منفيًا، وكونى درست فى الولايات المتحدة فى أوائل الألفية حيث كان الهجوم على الإسلام والمسلمين خبز القادة الأمريكيين اليومى دعانى للبحث عن العزوة والأنصار، فبحثت فى مفهوم الأمة. ووجدت أن المفهوم يحمل من الوجهة الأكاديمية البحتة، إمكانيات جيدة لإنتاج نظرية سياسية جديدة، نظرية تسمح بتعدد النظم القانونية داخل إطار دستورى واحد، وتسمح بوحدة العاطفة والسلوك والدفاع والسياسة الخارجية بين مجموعة من الدول، دون أن يستتبع ذلك قيام نظام سياسى واحد وحكومة واحدة وقانون واحد لهم جميعًا. إن النظرية التى سأشير إليها أدناه تختلف عن  النظريات السياسية الأوروبية القائمة على الدولة القطرية أو القومية، واضحة الحدود والدساتير والقوانين. هذه النظرية أقرب لتأسيس نظام سياسى دستوره نص مجازى، كأن دستوره قصيدة لا تخلو من غموض، والغموض هنا هامش حرية، لأنه يتيح المجال لتأويلات لا نهائية، والقوانين تنشأ عن هذه التأويلات، فتتطور معها وتختلف وتتلون وتتنوع من مكان لمكان ومن زمان لآخر.

 

وقد يجد البعض شبهاً بين النظام السياسى الناتج عن مفهوم الأمة، والذى سأصفه تواً، وبين النظم الكونفيدرالية والفديرالية الحديثة، إلا أنه أكثر مرونة منها، فهو لا يعتمد على  الهياكل الهرمية المتجاورة والمتداخلة كما هو النظام الفيدرالى، بل يعتمد على النظم الشبكية وعلى درجة أعلى من المشاركة السياسية للجمهور، ويعتمد على بناء الإجماع أكثر من اعتماده على فرض إرادة الأغلبية فى مجالس تشريعية متدرجة السلطة، من مجلس الحى حتى مجلس الشيوخ والنواب.

 

●●●

 

كنت كتبت من قبل إن الأمة والإمام فى اللغة واحد، والإمام قد يكون إنسانًا أو كتابًا أو مقياسًا لاستواء البناء أو مثالًا أيًا ما كان. وأن الناس يصبحون أمة إذا تبعوا إمامًا، أى إذا اتبعوا صورة مثالية سواء كانت مجسدة فى شخص أو فى كتاب. وأن رجلًا واحدًا يتبع صورة عن نفسه ويسعى لتحقيقها يكون إمام نفسه وأمة نفسه، وأن مجموعة من الناس تتبع كتابًا، إنما يتبعون فهمهم هم للكتاب، فهم فى اتَّباعهم للكتاب إنما يتبعون فهمهم، أى يتبعون أنفسهم فهم أمة أنفسهم وأئمة أنفسهم. على أن تلك الصورة المثالية التى يتبعها الناس ويصيرون بها أمة، يكون لها تأويلات وتفسيرات مختلفة باختلاف أفهامهم فرادى وجماعات. ففى التاريخ الإسلامى مثلًا، كان النص الديني/الإمام الذى باتباعه يصير المسلم مسلمًا والمسلمون أمة، له تأويلات كثيرة، وكل سلطة سياسية فى التاريخ الإسلامى كان عليها أن تستمد شرعيتها، أى قبول الناس بها واتباعهم لها، من تأويل ما للقرآن والسنة، ولذلك فقد تتعدد النظم السياسية وأشكال الحكم، بتعدد التأويلات للنص المثالى المتبوع. إن اختلاف التأويل مع وحدة النص، ينتج نظمًا سياسية مختلفة لكن مرجعيتها واحدة. فكما أن كل تأويل للقرآن يحكم على شرعيته بناء على قربه أو بعده من فهم عموم الناس للنص القرآنى المرجعى، كذلك، فإن شرعية أى نظام سياسى إسلامى يُحكَم عليها بناء على بعدها أو قربها من فهم عموم الناس لذات النص القرآنى المرجعى. يتبع ذلك أن من يمنح الشرعية أو يسلبها من أى نظام سياسى، حسب هذه النظرية، هو عموم الناس المنتمون إلى النص المرجعى، أى المسلمون جميعهم، لا رعايا ذلك النظام السياسى فقط. بعبارة أخرى، بينما يكون مواطنو دولة ما فى النظام الغربى هم وحدهم المختصون بمنح حكامها الشرعية أو سلبها منهم، فإنه فى هذا النظام القائم على مفهوم الأمة، يحق لكل المسلمين  فى مشارق الأرض ومغاربها أن يكونوا هم المرجعية التى تمنح الشرعية أو تسلبها من أى نظام يحكم أى دولة مواطنوها مسلمون.  باختصار، إذا كان مفهوم الشعب أو «النيشن» فى النظريات السياسية الغربية، اللاتينى منها والأنجلو ساكسونى والجرمانى، هو مجموعة من الناس يريدون أن تحكمهم جميعًا حكومة واحدة منهم على أرض لهم دون غيرهم، فإن الأمة، فى هذه النظرية السياسية، هى مجموعة من الناس تتوقع من أى حكومة تحكم أى جزء منهم أن تكون مسؤولة أمام المجموعة كلها، لا أمام ذلك الجزء الذى تحكمه منها فقط. يعنى أن المصريين والفلسطينيين والعراقيين  يتوقعون من الحكومة المصرية  أو الفلسطينية أو العراقية أن تكون مرجعيتها مصلحة العرب والمسلمين جميعًا لا مصلحة المصريين وحدهم أو العراقيين وحدهم أو الفلسطينيين وحدهم، دون أن يعنى ذلك بالضرورة أن الشعوب الثلاثة ترغب فى حاكم واحد يحكم ثلاثتها. لذلك فإن كمب ديفيد وأوسلو لا تروق لكثير من المصريين والفلسطينيين وإن قيل لهم أنها لصالحهم، فهم يشعرون أنها خيانة لبقية الأمة.

 

ولما كانت الشرعية، فى هذه النظرية، يمنحها ويسبلها من لا يقع تحت طائلة نظام الحكم، فإنها تصبح أمرًا قائمًا على الاعتقاد لا على التنظيم، على الشبكة لا على الهرم. إن قبول الناس بحكومة، وطاعتهم أو عصيانهم لها، لا يمكن أن تفرضه هذه الحكومة أو تمنعه بقوة الشرطة، إنما هو اعتقاد فى فكرة مثالية، هى، لا أى تنظيم أو مؤسسة، التى تملى على الناس سلوكهم.

 

●●●

 

إن أحسن ما فى هذه النظرية، أنها لا يجب أن تظل إسلامية، بمعنى أن كل من يؤمنون بنص أو بفكرة أو بقصيدة، أو بمجاز حمال أوجه وكثير التأويلات، يمكنهم أن يشكلوا كيانًا سياسيًا موحدًا، دستوره شعر قابل للتأويل، وتكثر ابتكاراتهم التنظيمية والقانونية ولكن مرجعيتهم واحدة. إن هذا يوفر حرية فردية وجماعية من ناحية، وتماسكًا دفاعيًا ضد العالم الخارجى من ناحية أخرى. ولهذه النظرية، القائمة على اتباع المثال وتأويلاته، أى على الاعتقاد، تجليات عدة فى التنظيمات الشبكية، إن مظاهرات الخامس والعشرين من يناير مثلًا أكثر انتماءً لهذه النظرية من مكتب الإرشاد فى جماعة الإخوان المسلمين الهرمية.

 

إن التنوع والاختلاف عنصر أساسى من عناصر الوحدة والتماسك فى هذه البنية. ولذلك فإن مظاهرات السلفيين ضد الشيعة مثلًا أو ضد الصوفيين، أو فرض فهم واحد للدين أو للقانون على الناس بقوة الشرطة كما تفعل الحكومة الحالية، هو خيانة كبرى لمفهوم الأمة هذا، ومحاولة لجعل الأمة «نيشنًا» أوروبيًا جرمانيًا أو فرنسيًا، له فهم واحد للدستور والقانون. إن الإسلام السياسى الذى أخاف عليه، هو ذلك الذى يقضى بأن يرعى كل شعب من المسلمين الشعوب الأخرى، على اختلافهم فى فهم الشريعة والأصول، هو الإسلام السياسى الذى يقضى بتحالف مع إيران وتركيا ضد إسرائيل والولايات المتحدة، لا بتحالف مع الولايات المتحدة وتركيا ضد إيران. ثم هو إسلام سياسى، لا يرى فى المسلم غير الإسلامى عدوًا، بل صاحب تأويل، بل لا يرى فى غير المسلم أو حتى غير ذى الدين عدوًا، بل أحد أفراد الأمة ما دام منتميًا إليها مقاتلًا معها معتقدًا فى مصلحتها.



اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=09042013&id=66691538-fa95-4f56-8fd3-f4c7d08f0181