السؤال الغريب

الشروق

الثلاثاء 23 أبريل 2013 - 9:20 ص

 

هل ما يزال تحرير فلسطين ممكناً؟

 

نعم.

 

يبدو السؤال غريباً والإجابة أغرب. إن البعض اليوم يسال إن كان تحرير فلسطين ضرورياً، حيث إن الناس مشغولون بحروبهم الداخلية، سنة وشيعة وإسلاميين وعلمانيين، أو هم مشغولون بالتنمية الاقتصادية ولقمة العيش. رغم خطر اتهامى بالأنانية  أنا أزعم هنا، أن هزيمة إسرائيل ممكنة وأن المواجهة معها ومع الولايات المتحدة شرط للنمو الاقتصادى والعدالة الاجتماعية فى الداخل المصرى والعربى لا عائق لهما. العالم يتغير والفرصة سانحة، المهم فقط أن لا نضيعها وينشغل بعضنا بقتال بعض.

 

●●●

 

أولا: يشهد العالم اليوم أكبر عملية انتقال للثروة من الغرب إلى الشرق، أى من أوروبا والولايات المتحدة إلى الصين والهند ودول شرق آسيا. وتبعاً لتقارير عدة نشرتها مراكز أبحاث أمريكية، من بينها المجلس القومى للاستخبارات، ستكون الصين فى عشر سنوات أو أكثر قليلاً، ثانى أكبر اقتصاد فى العالم، وصاحبة ثانى أكبر إنفاق عسكرى فى العالم، وستحتاج إلى توسيع أسواقها، وسيزداد احتياجها للنفط والغاز، وسيؤدى هذا إلى رغبتها فى تنويع مصادرها من الطاقة لكى لا تكون معتمدة على المصادر التى تسيطر عليها الولايات المتحدة. بعبارة أخرى، فإن التعاون بين الصين وإيران وروسيا ودول وسط آسيا سيزيد لأن هذه الدول المنتجة للنفط والغاز تستطيع تزويد الصين بهما دون أن تستأذن فى ذلك الولايات المتحدة الأمريكية. كما أن تزويد الصين بالطاقة من هذه الدول سيتم عبر خطوط الأنابيب البرية دون الحاجة إلى المرور فى البحار التى تسيطر عليها وعلى مضايقها الولايات المتحدة أو حلفاؤها.

 

ثانياً: ستحتاج روسيا إلى كل من الصين وإيران والعراق وسوريا للوصول إلى البحر الأبيض المتوسط، لأن كل الموانئ الروسية الأخرى تجبر تجارتها على المرور من مضايق يسيطر عليها حلف الناتو، سواء مرت تجارتها من بحر البلطيق عبر المضايق الدنماركية إلى بحر الشمال ثم المحيط الأطلسى، أو من البحر الأسود عبر مضايق البسفور والدردنيل التى يسيطر حلف الناتو عليها كذلك. أما سواحل روسيا الشمالية والشرقية فى سيبيريا فهى عملياً جزء من القطب الشمالى ولا تصلح للتجارة. إن احتياج روسيا لمنطقة الشرق الأوسط بعد خسرانها البلقان والساحل الأدرياتيكى فى التسعينينات هو احتياج حيوى لكى لا تتحول إلى دولة حبيسة بلا موانئ صالحة للتجارة أو للدفاع، ما يعنى أن الحلف الصينى الإيرانى الروسى سيتعزز خلال السنوات العشر القادمة على حساب نفوذ واشنطن فى المنطقة. 

 

●●●

 

ثالثاً: سيستمر الأثر السياسى للأزمة المالية الأمريكية لعدة سنوات قادمة، فواشنطن لا تملك حتى الآن القدرة المالية ولا الرغبة السياسية فى دخول حرب إقليمية طويلة الأمد فى الشرق الأوسط أو فى شرق آسيا، ولا لديها رغبة فى التحدى المباشر للحلف الصينى الروسى، ولا هى لها من النفوذ فى الهند ما يجبر هذه الأخيرة على استئناف توترها القديم مع الصين. ونيو دلهى، وإن كانت تحب إغضاب بكين فهى لا تحب إغضاب موسكو معها، بالإضافة إلى أن إسلام أباد صديقة بكين مستعدة دائماً أن تغضب لها. إن هذا الانعزال النسبى الأمريكى يتيح لنا فرصة التخلص من الحلف المفروض علينا مع واشنطن دون خوف

 

رابعاً: فى بلادنا نحن، هناك تغيرات ديمغرافية لصالحنا: أولاً سيصبح أربعون فى المائة من سكان تركيا وإيران متنمين للشريحة العمرية ما بين سن الخامسة والعشرين وسن الأربعين. إن هذه الفئة العمرية هى أقل الفئات العمرية تكلفة على الدولة من حيث الرعاية  الصحية والتعليم، وهى أكثر الفئات العمرية إنتاجاً وإعالة للآخرين. إن التطور الديمغرافى الإيرانى والتركى يرشحان استمرار التحسن الاقتصادى فيهما. كما وأن المقاطعة الأمريكية لإيران لا تسبب كبير ضرر لها بسبب ما سلف ذكره من تجارة إيران عبر البر مع روسيا والصين دون أن تستطيع الولايات المتحدة إعاقتها، كما أن المقاطعة المصرفية لإيران جعلتها تزيد من احتياطى الذهب عندها، والمعروف أنه إذا زاد احتياطى الذهب فى بلد فإن اعتماد عملتها على العملات الأجنبية، لا سيما الدولار يقل، فلا يرتهن اقتصادها للاقتصاد الأمريكى. وفى مصر سيكون أربعون فى المائة من السكان  بين سن الثامنة عشرة والخامسة والعشرين، بعد أن كانت هذه النسبة  هى نسبة السكان تحت الخامسة عشرة. إن هذا يعنى أن نسبة الشباب فى مصر صارت أكبر من نسبة الأطفال، وهذا يزيد من إمكانيات الإنتاج ويخفف أعباء الإعالة، كما أنه يزيد من الإمكانيات القتالية لمصر، وللقدرة على العمل الثورى. أما فى فلسطين فسيزيد عدد العرب على عدد اليهود ما بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن بحوالى المليونين تقريباً خلال السنوات العشر أو الخمس عشرة المقبلة، وسيكون احتواء المشكلة الديمغرافية ضاغطاً على المؤسسات الأمنية والاقتصادية الإسرائيلية، ويزيد من إمكانيات نشوب تمرد مسلح فى صفوف الفلسطينيين لا يقتصر على الضفة الغربية وقطاع غزة فقط، بل يشمل البلد كله من البحر إلى النهر.

 

●●●

 

خامساً: إن القيادة المصرية، الحالية والتالية، إسلامية كانت أو علمانية، ستدرك عاجلاً أو آجلاً، أن النموذج التركى غير قابل للتحقيق فى مصر. والنموذج التركى فى كلمتين هو النمو عبر التحالف مع الغرب ثم الخروج التدريجى عن هذا التحالف عبر وسائل ديمقراطية سلمية. أقول إن هذا النموذج لن يصلح فى مصر، لاختلاف الموقع الجغرافى بين البلدين. تركيا القوية تعنى عائقاً أمام تمدد روسيا فى البحر الأسود والبلقان، ما يجعل قوتها النسبية مصلحة غربية، كان هذا الكلام صحيحاً فى القرن التاسع عشر، كما فى القرن العشرين كما فى أوائل القرن الحادى والعشرين. وحتى بعد الحرب العالمية الأولى، اقتضت مصلحة الحلفاء الإبقاء على دولة تركية قوية نسبياً وأن تسيطر على مضايق البسفور والدردنيل كحجر عثرة أمام التمدد الروسى هناك. أما مصر القوية فإن موقعها الجغرافى يعنى أن فى قوتها تهديداً لإسرائيل والنفط والملاحة فى قناة السويس. لذلك، فإن مصر، رغم أنها حليفة للغرب منذ أربعين سنة فإنها لا تزداد إلا فقراً. على عكس تركيا، فإن تحالف أمريكا مع مصر لا يهدف إلى تقويتها بل إلى إضعافها، ليست مصر أداة تقويها أمريكا لإضعاف الآخرين، بل هى المستهدفة بالإضعاف أصلاً. وأسوأ ما فى هذا الحلف أنه كلما اطمأن الغرب أن مصر لن تتمرد عليه كلما قلل من نصيبها من الاقتصاد العالمى وأفقرها أكثر. فكأن مصر مصنع لإنتاج الأمن والاستقرار حول قناة السويس وإسرائيل، كلما أنتجت كميات أكبر من السلعة كلما قل ثمنها، لذلك فقد انخفضت قيمة مبارك لدى واشنطن بالضبط لأنه كان حليفاً وفياً لها، بالضبط لأنه أعطاها ما تريد.

 

سادساً: إن التحدى الأكبر للاستفادة من كل هذه التغيرات، هو أن لا يتحول الصراع ضد إسرائيل، إلى صراع سنى شيعى فى سوريا ولبنان والعراق. إن الحرب السنية الشيعية تلك لن يخرج منها أحد منتصراً، وهى ليست وسيلة تنمية طبعاً. لذا فلا بد من إيجاد حل يوقف القتل فوراً، ويبنى فى سوريا نظاماً ديمقراطياً منتخباً لا استبداد فيه يحفظ وحدة ترابها وطوائفها واصطفافها الدولى والإقليمى ويمنع انتقال الاقتتال إلى لبنان والعراق. لنعد إلى البديهيات السنة والشيعة أمة واحدة، وإن كان فى الأمة مجرمون من الفئتين، ففى الأمة أبرياء ومظلومون من الفئتين أيضاً، إسرائيل هى العدو، لا نمو لمصر والشام والعراق برعاية أمريكا، والمواجهة هى سبيل التنمية.



اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=23042013&id=65508fde-f5ab-4380-a55c-3575f570d3f0