حل مصري للأزمة السورية

الشروق

الإثنين 13 مايو 2013 - 4:12 م

 

قصفت إسرائيل دمشق مرتين في أقل من ثلاثة أيام، ولم يستطع أحد في سوريا أن يرد. في المرة الأولى قصفت إسرائيل أسلحة متطورة متجهة من سوريا إلى حزب الله، وفي المرة الثانية قصفت مركزاً للمعلومات ومستودعات صواريخ ومعسكرات للجيش السوري النظامي على جبل قاسيون في دمشق وفي جمرايا القريبة منها.

 

ولمن لا يعرف فإن جبل قاسيون من دمشق كجبل المقطم من القاهرة. وقد سقط في الغارة الإسرائيلية الثانية وحدها حوالي الثلاثمائة نفس بين قتيل وجريح جلهم من الجيش النظامي. لقد شغلت الحرب الأهلية في سوريا كل الأطراف المشاركة فيها عن ممارسة واجبهم الوطني في الدفاع عن عاصمتهم ضد العدوان الإسرائيلي، وهو واجب يشترك فيه الموالي والمعارض، والحاكم والمحكوم، والإحساس بالإهانة حين يقصف وسط دمشق بهذه الطريقة ثم لا يكون رد، يصيبنا جميعاً.

 

لقد أصبحنا في سوريا بين خيارين صعبين: نظام تقصف إسرائيل عاصمته فلا يرد  سلاح طيرانه إلا بقصف مواطنيه في حمص، ومعارضة تجد نفسها، أرادت أم لم ترد، تطلق النار على ذات الجيش الذي تطلق إسرائيل النار عليه. 

 

ولا تقف الأخبار هنا، تبحثُ بين وسائل الإعلام، فتخبرُكَ النيويورك تايمز بأن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية تنسق جسراً جوياً لتقديم الدعم اللوجستي للمعارضة السورية من تركيا، وتنسق مع الأردن برامج تدريب عسكري لهم. وتقرأ في سَنْدَايْ تايمز البريطانية عن ترتيب دفاعي جديد بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية والإمارات والأردن ضد إيران، تنشر بمقتضاه الولايات المتحدة الأمريكية شبكة دفاع صاروخيةً في هذه البلدان لمنع وصول الصواريخ الإيرانية إلى أهدافها في إسرائيل في حال الحرب. ثم تفاجئك وكالة رويترز للأنباء بتصريحات أطباء من الأمم المتحدة يتهمون فيها المعارضة، لا النظام، باستخدام السلاح الكيماوي في سوريا وتنفيذ هجوم بغاز السارين على الناس، فتسأل من أعطى المعارضة سلاحاً كيماوياً؟ ثم أي نوع من الثورات هذا الذي يستخدم السلاح الكيماوي ضد أهله؟.

 

وفي الجانب الآخر، يعلن حزب الله وإيران أنهما لن يتركا دمشق تسقط في يد المعارضة. وينخرطان في حرب يخسران منها أكثر مما يكسبان. إيران تعلم أنه لو قام في الشام نظام معاد لها، فسيرعى التمرد السني ضدها في العراق. فإن تغير النظام في العراق وقام فيه نظام معاد لها، فسيرعى هذا تمرداً ضدها في عربستان والأحواز ، ويصبح سنداً إقليمياً لمعارضتها المحلية. وقطع الاتصال البري بين طهران وحزب الله يفقدها منصة تستطيع بها محاربة إسرائيل براً إذا هاجمتها إسرائيل جواً. فإذا وضعنا في الاعتبار ما ذكرناه أعلاه من نشر شبكة دفاع صاروخية في الإمارات والأردن والسعودية وإسرائيل لتحصين هذه الأخيرة من القدرات الصاروخية الإيرانية، تبين مدى تمسك طهران بدمشق خطَّ دفاع أول.

 

أما حزب الله فقد تعرضت منطقة البقاع والهرمل في شرق لبنان للقصف من قبل جبهة النصرة، وهذه المنطقة هي التي يسميها اللبنانيون "خزان المقاومة" حيث يبقى حزب الله فيها أسلحته وصواريخه ومعسكرات تدريبه. والقرى الحدودية الواقعة على الجانبين اللبناني والسوري هي طريق مرور السلاح من سوريا إلى حزب الله، كما هي طريق مرور السلاح في الجهة المعاكسة من خصوم حزب الله في لبنان إلى المعارضة السورية. فالحرب على الحدود هي حرب على خطوط الإمداد. والحزب يعلم أن سقوط النظام يعني أن تمتد هذه الحرب من الحدود اللبنانية إلى قلب بيروت ويصبح الحزب بين شقي الرحى، يواجه حرباً في الشمال بالإضافة لحربه التقليدية في الجنوب.  

 

إلا أن انخراط حزب الله وإيران في الحرب يزيد من خصومهما في الإقليم بدلاً من تقليلهم، فهي حرب لن تبقي المقاومة مقاومة ولن تبقي الثورة ثورة، المهزوم فيها مهزوم والمنتصر فيها مهزوم أيضاً. وإسرائيل تتمنى لو استمرت هذه الحرب للأبد.  غير أن استمرارها وتدخل إسرائيل أو أي من حلفائها فيها ينذر  بتحولها لمواجهة كبرى تحرق الإقليم كله، وكما سأبين في آخر هذا المقال، لن تسلم مصر من شررها.

 

لا بد إذن أن تنتهي هذه الحرب السورية قبل أن تأكل ما تبقى من البلد والإقليم . وواضح أن النظام وحلفاءه غير قادرين على إنهائها طالما بقي عند السعودية وقطر نفط وسلاح ترسلانه إلى المعارضة. وخيارالنظام الحربي لم يحسم الأمر أمس ولن يحسمه غداً. والمعارضة أيضاً لن تستطيع إنهاء الحرب طالما بقي عند إيران وروسيا نفط وسلاح ترسلانه إلى النظام. وما لم يستطع النظام أن يسيطر على كل شبر من حدوده البرية فإن تسليح المعارضة لن ينقطع، وما لم تستطع المعارضة أن تسيطر على كل الموانئ والمطارات السورية، بما فيها القاعدة الروسية في طرطوس، فإن مدد النظام من السلاح لن ينقطع هو الآخر.  

 

ثم إننا إذا افترضنا جدلاً أن المعارضة استطاعت السيطرة على دمشق صباح الغد فإن الحرب لن تنتهي بل ستزداد ضراوة بسبب التركيبة الطائفية للبلاد. ففي غياب الجيش النظامي والقيادة المركزية لن يكون لدى المعارضة قدرة على جمع السلاح من أنصارها فضلاً عن خصومها. إن العلويين يشكلون 12 % من سكان سوريا ويشكل المسيحيون 12% أخرى، فإذا أضفت الشيعة الإمامية والإسماعيلية والدروز والأقليات الأخرى، وصلت نسبة المجموع ما بين 25% و36% من الشعب السوري. ومعظم هذه الأقليات مؤيد للنظام وكلها مسلح، وهي لن تسلم سلاحها للمعارضة السنية إذا انتصرت إلا بحرب. وحتى بين المسلمين السنة أنفسهم، هناك ما يقرب من مائتي بؤرة تسليح مستقلة، منها ما هو تابع للإخوان المسلمين وما هو تابع للسلفيين. وبين السلفيين، هناك جبهة النصرة التي تعادي المملكة العربية السعودية، وهناك السلفيون الذين يوالون المملكة . ولكل من الجماعات الإسلامية المعارضة في سوريا طرف إقليمي يدعمه.  لذلك فإنك ترى انقساماً سياسياً مزمناً بين فصائل المعارضة السورية، هو ترجمة لخلاف القوى الإقليمية التي تدعمها. قطر تدعم الإخوان وتخاف السلفيين، والسعودية تدعم السلفيين وتخاف الإخوان والقاعدة، وتركيا تخاف الأكراد، والأردن يخاف الجميع. وهذا الانقسام بين القوى الإقليمية مرشح للازدياد في حال افترضنا سقوط النظام لاختفاء العدو المشترك واحتدام الصراع على النفوذ في سوريا الجديدة.  إن انتصار المعارضة السورية، في هذه الظروف، لن يختلف كثيراً عن الهزيمة لأنه يعني حرباً بين الأقلية والأغلبية، وبين الأغلبية ونفسها. وإذا دخلت البلاد في طور انتقام متبادل بين الطوائف، فإننا قد نجد أنفسنا أمام مأساة إفريقية الأبعاد رُوَاْنْدِيَّةِ الملامح، لن تنتهي إلا بتدخل خارجي بعد أن تمر سنوات مُرة تفني فيها كل طائفة أختها. وحتى التقسيم حينئذ لن يكون حلاً، لأن البنية التحتية للبلاد أنشئت لدولة واحدة لا اثنتين، فسيتقاتل الناس على السيطرة على محطات المياه والكهرباء والطرق والموانئ وغيرها.

 

الحل

 

ما الحل إذن. إن الحسم العسكري مستبعد، وانتشار السلاح وتفتت المعارضة وعمق الجروح بين الطرفين يجعل أي حوار داخلي بين المعارضة والحكومة غير ذي معنى، وحتى إذا توصل الإئتلاف السوري والنظام إلى اتفاق فإن أيا منهما لن يقدر أن ينفذه على الأرض ويجمع السلاح من الناس. أما التدخل الدولي، فسيتحول إلى حرب إقليمية تحرق غرب آسيا كله لأنه يعني اشتباكاً بين الغرب وإيران، تستهدف فيه القواعد الأمريكية في الخليج. لذلك لم يبق إلا حل إقليمي أزعم أن مصر دون غيرها هي المؤهلة لأن تقدمه.

 

 إن أي حل للمعضلة السورية، يجب أن يضمن أولاً وقف القتل، وعودة اللاجئين والإفراج عن المعتقلين، ومنع التقسيم، وإقامة نظام ديمقراطي منتخب يحترم حقوق الإنسان، وبقاء سوريا في حلف معاد لإسرائيل. وإن لمصر صفات استراتيجية قد تؤهلها لتحقيق ذلك، فهي الوحيدة من بين دول الإقليم الكبرى التي لم تنخرط تماماً في الصراع السوري، بإرسال مال وأسلحة ومقاتلين، إلا في الحد الأدنى. ومصر تقع إلى الجنوب الغربي من إسرائيل، وما تزال العقيدة العسكرية لجيشها والإحساس العام لدى شعبها أن إسرائيل هي عدوها الاستراتيجي والتهديد الوجودي لها، خاصة وأن القاهرة ذات العشرين مليون نفس تقع في مرمى القوة النووية الإسرائيلية. إن هذا يجعل قوة حزب الله وإيران مصلحة قومية أساسية لمصر لأنهما يشكلان إشغالاً لإسرائيل على الجبهة الشمالية. ويشترك في هذا التقدير معظم القوى السياسية في البلاد، من كان منها معادياً لحلف مصر مع واشنطن يرى أن إضعاف إسرائيل واجب، ومن كان منها محبذاً لهذا الحلف مع واشنطن يرى أن إضعاف حلفاء واشنطن الآخرين في المنطقة يزيد من قيمة مصر الاستراتيجية لديها من باب المنافسة، فكلما قل الحلفاء كلما زاد احتياج واشنطن لهم. وإن إيران وحزب الله يعلمان أن قوتهما مصلحة مصرية، وأنه لا يمكن لعاقل أن يعود بمصر إلى سياسة مبارك الخارجية التي هونت قدره حتى عند الأمريكيين فتخلوا عنه. وعليه فإن وضع مصر الجغرافي هذا يشكل ضمانة لإيران وحزب الله وحلفائهما، لأن سعي مصر لأمنها القومي يقتضي الحفاظ عليهما وعلى قوتهما وعلى اتصال أحدهما بالآخر.

 

ومن الناحية الأخرى فإن مصر هي أكبر بلد عربي سني من حيث عدد السكان، وحكامها هم من الإخوان المسلمين، والعاطفة العارمة بين الناس فيها هي الوقوف إلى جانب الأكثرية السنية من الشعب السوري، والذي يرى فيه أكثر المصريين صورتهم، ويعلم السنة في سوريا وفي لبنان ذلك، وعليه فإن وضع مصر الديمغرافي يشكل ضمانة لقواعد المعارضة السورية على الأرض ولكثير من التنظيمات الإسلامية المقاتلة فيها.

 

وقد تشكلت لجنة رباعية من مصر وإيران وتركيا والمملكة العربية السعودية في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي لمتابعة الأزمة السورية، غير أن السعودية توقفت عن حضور اجتماعات هذه اللجنة وانسحبت عملياً منها.  والرأي عندي هو أن تدعو مصر إلى قمة مصرية تركية إيرانية في القاهرة، يحضرها ممثلون عن النظام السوري والمعارضة، وأن تقترح مصر فيها تشكيل قوة حفظ سلام  مشتركة مصرية إيرانية، تابعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي، توقف القتال في سوريا وتشرف على انتخابات رئاسية مبكرة فيها. إن الغرض من مشاركة إيران هو أن تقتنع دمشق بالسماح لهذه القوة بالدخول إلى سوريا، وأن تأمن أنها لم تأت للحرب، بل لإنهاء الحرب، والإشراف على الانتخابات. الفكرة هي أن تكون القوات الإيرانية ضمانة للموالين وتكون القوات المصرية ضمانة للمعارضين. ولمن يخشى من العلاقات المصرية الأمريكية فإن وجود القوات الإيرانية تكون ضمانة ألا تستخدم القوات المصرية إلا فيما أرسلت له، ولمن يخشى من العلاقات بين إيران والنظام فإن وجود القوات المصرية تكون ضمانة  ألا تستخدم القوات الإيرانية إلا فيما أرسلت له.  وإن وافقت إيران على هذه الاقتراح فليس من المستبعد أن تقتنع به دمشق. فإذا اقتنعت، دعت دمشق قوة حفظ السلام تلك فينتشرالإيرانيون منها في المناطق الموالية للنظام  في الساحل السوري وفي القرى الشيعية على حدود لبنان، فيكونون في بيئة غير معادية لهم ويضمنون تأمين خطوط الإمداد والاتصال بينهم وبين حزب الله. ثم  تنتشر القوة المصرية في المناطق المعارضة للنظام في الريف  في سائر الداخل السوري، وينسحب الجيش السوري النظامي إلى ثكناته حول دمشق.

 

 تقوم قوة حفظ السلام المشتركة تلك بتثبيت وقف إطلاق النار، وجمع السلاح من المتقاتلين، والإشراف على عودة المهجرين إلى ديارهم، بينما تقوم الحكومة السورية بالإفراج عن كافة المعتقلين السياسيين، ثم تشرف هذه القوة المشتركة على انتخابات رئاسية  تعددية مبكرة، بمراقبة دولية. فإن بقيت المعارضة على تفتتها ولم يتغير النظام بالانتخابات، وهو احتمال غريب ولكنه قائم، فإن وجود هذه القوة يضمن أن لا يبطش النظام بمعارضيه، وأن يكون مثل نظام أمين جميل في لبنان الثمانينيات حين كان السلطة الحقيقية في يد قوات الردع العربية. وتضمن القوة المصرية في المناطق السنية للناس استمرار سعيهم لتغيير النظام سلمياً. كذلك إذا أتت الانتخابات الرئاسية المبكرة برئيس جديد لسوريا من المعارضة فإن وجود هذه القوة يضمن القدرة على جمع السلاح من المتقاتلين وأن لا تتم عمليات تطهير عرقي متبادلة بين الأغلبية والأقليات. وفي نفس الوقت يضمن وجود هذه القوة المشتركة بقاء سوريا في حلفها الإقليمي، وعدم قيام نظام موال للولايات المتحدة فيها.

 

 يضاف إلى ما سبق، أن وجود هذه القوة المشتركة يحفظ لسوريا قدراتها الاستراتيجية، فلا يستنزف الجيشان الحر والنظامي في قتال أحدهما ضد الآخر، خاصة وأننا نعرف أن إسرائيل ستقاتل المنتصر منهما أياً كان بعد أن تتأكد من تمام استنزافه.إلى ذلك، فإن وجود القوات المصرية والإيرانية في سوريا يشكل رادعاً أمام أي محاولة للتدخل العسكري الإسرائيلي. إن استمرار الحرب قد يعني ضربات إسرائيلية ثم تدخلاً إيرانياً ثم احتكاكاً بين الاثنين ينتهي بحرب إقليمية. ولكن إذا كانت القوات المصرية متمركزة في سوريا فإن أي عدوان إسرائيلي عليها سيكون مهدداً لاتفاقية السلام مع مصر، وهو أمر لا تسمح واشنطن لإسرائيل بفعله. لذلك فإن وضع قوات مصرية إيرانية مشتركة يقلل من احتمالات تجرؤ  إسرائيل على كل من سوريا ولبنان، ويزيد من القيمة الاستراتيجية لمصر في الإقليم بما لا يقاس، بدون أن يعرض الجيشين المصري والإيراني لكبير خطر. وجدير بالذكر أن نشر قوات مصرية في سوريا لا يشكل أي خرق لاتفاقية السلام مع إسرائيل ولا للقانون الدولي، ولكنه يشكل حماية استراتيجية لسيناء العزلاء، فالقوات المصرية ستكون أقرب للمراكز الحضرية الإسرائيلية في الساحل الفلسطيني، وتل أبيب من بينها، منها في غرب القناة.

 

إن شروط نجاح هذا الحل يعتمد على قرار مصري واع ونهائي بإعادة تموقع مصر استراتيجياً فتخرج من الحلف الإستراتيجي الأمريكي إلى حلف إقليمي مثلث، تكون فيه وسطاً بين إيران وتركيا. وإن هذا الحل يقع في مصلحة مصر وإيران لإنه يحفظ لكليهما مصالحهما، ويعطي النظام السوري والمعارضة فرصة لأن يخوضا صراعهما سياسياً دون أن يدمر البلد بينهما فيخسر الطرفان لصالح إسرائيل. أما تركيا فإن حلاً كهذا يريحها من مشكلة اللاجئين ومن مشكلة الأكراد، ويعفيها من احتمال أن تنخرط في حرب تضر بنموها الاقتصادي وأمنها واستقرارها، ولتركيا مصالح مع مصر وإيران  تضمن أن لا يتصرف البلدان بطريقة تؤذي مصالح أنقرة.

 

أما المملكة العربية السعودية فتكاد تكون الدولة الكبرى الوحيدة في الإقليم التي ترى في استمرار الحرب الأهلية السورية، وحتى في انتشارها إلى كل من العراق ولبنان، مصلحة لها. فالسعودية مملكة حليفة للولايات المتحدة ما تنفك تقترح مشاريع سلام بين العرب وإسرائيل. وقد كانت العداوة ضد الشيوعية وسيلة للتغطية على التحالف السعودي الأمريكي أيام الحرب الباردة، حيث تم تصوير الشيوعيين على أنهم أكثر خطراً من الصهاينة. واليوم تحاول الرياض أن تذكي عداوة مع طهران تغطي بها على نفس الحلف القديم بينها وبين الولايات المتحدة، وتصور الشيعة على أنهم أكثر خطراً من أمريكا وإسرائيل. على ذلك، فإن المملكة العربية السعودية لن تستطيع أن تعارض اتفاقاً يتوصل إليه الإيرانيون والأتراك والمصريون معاً، وإن الجماعات الإسلامية التي تدعمها الرياض في سوريا سيكون من الصعب عليها أن تقنع قواعدها بإطلاق النار على قوة مصرية تحمي الناس وتعيدهم إلى بيوتهم. لن يسلم الأمر من بعض العمليات هنا أو هناك، ولكن لن تستطيع هذه الجماعات أن تخوض حرب عصابات ضد قوة حفظ السلام المصرية لأن حرب العصابات تحتاج احتضاناً شعبياً، ولا توجد عداوة بين مصر وبين السنة السوريين الذين ستنتشر القوات المصرية في مناطقهم.

 

أما الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل فستخسران من هذا الحل. تراهن الولايات المتحدة على استمرار القتال السوري إلى أن يسقط النظام، وهي تعلم أنه لو سقط فلن يقوم في سوريا نظام بديل، وتعلم أن القتل سيستمر فترة طويلة من الزمن، ربما لعدة سنوات كما كان الحال في أفغانستان. وتراهن واشنطن كذلك على أنها في هذه الفترة تكون قد تعافت من أزمتها الاقتصادية، وتكون قد استنزفت القدرات القتالية للجميع في سوريا، سواء للإيرانيين وحزب والله أو للجماعات السنية المعارضة لهما، إخوانا وسلفيين وقاعدة، فتتدخل هي وحلفاؤها بعد ذلك، بغطاء من الأمم المتحدة كقوة حفظ سلام وتبني نظاماً موالياً لها وتنجح في سوريا فيما فشلت فيه في العراق. إن إرسال قوة سلام مصرية إيرانية مشتركة إلى سوريا، قبل أن تتعافى أمريكا من الأزمة المالية، يفوت على الأمريكيين إمكانية التدخل، ويحفظ سوريا بلداً واحداً متماسكاً، ويمنع إسرائيل من التمدد فيها والاعتداء عليها، ولن يكون للأمريكيين المأزومين ماليا  القدرة على منع تنفيذ هذه الخطة.

 

بقي أن نؤكد على أن طرح هذا الحل المصري لا يعني أن لي ثقة في أن القيادة الحالية لجماعة الإخوان المسلمين ستنفذه، أو أنها لن تغدر بشركائها فيه إذا نفذته. إنما أشير إلى أن وضع مصر الاستراتيجي يجعل تعاونها مع إيران في حل الأزمة السورية ضرورة، ويتيح لها فرصة لحل الأزمة على هذا الأساس. أما إذا ضيع الإخوان المسلمون الفرصة كما ضيعوا الكثير من قبلها  فإنهم سيلحقون الضرر بمصر وبسوريا ثم بأنفسهم في نهاية المطاف. وإن على قيادة الإخوان المسملين أن تختار عدوها، وقد اختارت العدو الخطأ والمعركة الخطأ طوال السنتين الماضيتين. وإذا قررت حكومة الإخوان المسلمين في مصر أن لا تفعل شيئاً أو أن تحاول إطالة أمد الحرب آملة في أن يحقق الإخوان المسلمون السوريون مكاسب تفاوضية مع النظام السوري فإنها ستخسر. لقد بينا أعلاه أن استمرار الحرب يعني أنها ستتحول عاجلاً أم آجلاً إلى حرب دولية وهي إذا تحولت تدخلت فيها إسرائيل واشتعل المشرق كله.

 

فإذا قامت الحرب  واختارت هذه الحكومة أن تقف في صف إسرائيل، كما كان مبارك يفعل وكما يطلب منها الأمريكيون والمملكة العربية السعودية، فإنها ستواجه حالة غضب من الشارع، من إسلامييه وعلمانييه، بل ومن بعض قطاعات الجيش التي ما تزال ترى في إسرائيل تهديداً لها. وليس لدى هذه الحكومة من السيطرة على الجهاز الأمني العسكري ما يسمح لها أن تخون وتقمع معاً كما كان مبارك يفعل.. وأما إذا قررت أن تقف ضد إسرائيل، فمن الحصافة أن توطد علاقتها بإيران وأن يكون لها قوة في سوريا على حدود إسرائيل الشمالية  وقريبة من العمق الإسرائيلي فتقيد العدو عن التمدد في سيناء. خاصة إن كان هذا ممكنا دون أن يكون خطوة في اتجاه دعم النظام الحالي في سوريا، بل هو خطوة نحو تغييره بنظام منتخب.

 

ثم إن إسرائيل تعلم هشاشة الحكم في مصر، وأنه  حتى إذا حالفها في حال وقوع الحرب الإقليمية، قد يطاح به شعبياً فتحتاج أن تحمي نفسها من بديله. لذلك فإن هناك احتمالاً، إذا نشبت الحرب الإقليمية الكبرى تلك، ان تجتاح إسرائيل سيناء اجتياحاً وقائياً مهما كان موقف الحكومة المصرية منها، بل قبل أن تشكل هذه الحكومة موقفها من الحرب. وعليه فإنه يحسن بالحكومة المصرية، حماية لسيناء، وحماية لاستقرار مصر سياسياً، وحماية لنفسها قبل كل شيء، أن تعمل على الوقف الفوري لهذه الحرب الأهلية في سوريا وتستبق العدوان الإسرائيلي بنشر القوة المشتركة في سوريا بلا تأخير.

 

وأخيراً، إذا لم تقم مصر بهذه الخطة، فإن إيران ستتدخل في سوريا على كل حال، وسنجد أنفسنا في اشتباك بين إيران وإسرائيل، فإن انهزمت إسرائيل فسينهزم مؤيدوها العرب معها، وإذا انتصرت إسرائيل لا قدر الله فستنقلب هي على مؤيديها. ولنتذكر أن من قاتل روسيا لصالح أمريكا في أفغانستان قتلته أمريكا، ومن قاتل إيران لصالح أمريكا في العراق، قتلته أمريكا، ومن خاصم المقاومة الفلسطينية وعقد سلاماً مع إسرائيل في الضفة الغربية قتلته إسرائيل. وأن من اختار أن يحارب إسرائيل منذ ثلاثين سنة انتصر عليها، ومن اختار أن يحارب غيرها، في أي اتجاه، لم تأت حربه إلا بالخسارة له ولخصمه على حد سواء.



اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=13052013&id=2c46b4c4-4c51-4204-9d06-6942ed74d718