الزَّمَرْگَل

الشروق

الثلاثاء 21 مايو 2013 - 9:14 ص

 

لا سياسة اليوم، اليوم نكتب عن الزمركل. والزمركل يا أعزك الله لص خيول عاش فى شمال الشام فى الأعوام المائة الأولى من الحروب الصليبية. ويبدو، حسب الوصف الذى أورده له الأمير مؤيد الدولة أبو المظفر أسامة بن منقذ الكنانى الشيزرى، انه كان فى ثلاثينيات القرن الثانى عشر شيخا كبيرا، يعانى من عاهة فى إحدى يديه.

 

فى المشهد الأول، يروى بن منقذ لقاءه الوحيد، وجها لوجه، بالزَّمَرْكَل. كان ابن منقذ خرج مع فرسان بلده شيزر، وهى مدينة صغيرة فى شمال سوريا قريبة من حماة وانطاكية يحكمها عمُّه، ليحميها من سرية فرنجية كانت قد خيمت بالقرب منها بقيادة أمير أنطاكية، إما فى سنة 1122 أو فى سنة 1126. وصاحب أنطاكية وقتها إما الكونت الصغير بوهيموند الثانى الألمانى الجدود الفرنسى الأب الإيطالى المولد، والذى سماه العرب بيمند بن بيمند وكان بن منقذ يسميه بن ميمون،  أو بالدوين الثانى ملك القدس الوصى على أنطاكية قبل أن يبلغ الكونت ميمون ذلك سن الرشد، ونسبه ألمانى فرنسى بلجيكى.  وفى الطريق رأى بنُ منقذ ومعه فارس آخر يدعى حسام الدولة، شيخا عاريا إلا من لباس يشبه العباءة مختبئا فى كرم عنب. فقال له حسام الدولة: يا شيخ أى شى تعمل هاهنا؟ فقال الشيخ: أنتظر الظلام وأسترزق الله تعالى من خيل هؤلاء الكفار.فقال حسام الدولة: يا شيخ، أبِأسنانك تقطعهم عن خيلهم؟ قال الشيخ: لا بل بهذه السكين. وجذب سكينا من وسطه مشدودة بخيط كأنها شعلة من النار. ويكمل بن منقذ القصة فيقول:  «أصبحتُ من بُكْرَةٍ رَكِبْتُ أَنْتَظِرُ ما يَكُونُ مِنَ الافرنج، وإذا الشيخُ جالسٌ فى طريقى على حَجَرٍ والدَّمُ على ساقه وقدَمِه وقد جَمُدْ، قلتُ: يُهْنِئُكَ السَّلامَة، أى شيء عَمِلْتَ؟ قال الشيخ: أخذتُ منهم حصانا وترسا ورمحا، وَلَحِقَنِى رَاجِلٌ وأنا خارجٌ من عسكرهم، طعننى نفَّذ القنطارية (أى الحربة) فى فخذى، وَسَبَقتُ بالحصان والترس والرمح. قال بن منقذ:  «والشيخ مستقلُّ بالطعنة التى فيه كأنها فى سواه، وهذا الرجل يقال له الزمركل من شياطين اللصوص».

 

أما المشهد الثانى فينقله بن منقذ عن رجل يدعى شومان من جنود إمارة دمشق. يقول شومان: نزل عسكر الفرنج على شيزر فخرجت أدور بهم لعلى أسرق حصانا منهم، فلما أجن الظلام  مشيت إلى طوالة الخيل (اصطبل الخيل)...وإذا هذا (يقصد الزمركل) جالس امامى، فقال لي: إلى أين؟ قلت: آخذ حصانا، من هذه الطوالة. قال: وأنا من العِشاء أنظرُها حتى تأخذَ أنتَ الحصان؟!... والله ما أدعك تأخذ شيئا. قال شومان، فلم ألتفت له ويممت إلى الطوالة، فقام وصاح بأعلى صوته: «وافقرى واخيبة تعبى وسهري!» وصيَّحَ حتى خرج علينا الافرنج. فأما هو فطار، وأما أنا فطردونى حتى رميت نفسى فى النهر وما ظننت أنى أسلم منهم»

 

●●●

 

أزعم أن الزمركل حالة عامة، تلخصنا هذه الأيام. إن البشر  القادرين على جمال وجلال عظيمين فى لحظة ما من لحظات التاريخ، قادرون على عكسها فى لحظة أخرى. كثيرا ما تسأل نفسك، أو يسألك الناس، ماذا دهانا؟ وكيف وصلنا من قمة الأيام الثمانية عشر للثورة المصرية، إلى هذا الذى نحن فيه. المؤسسة العسكرية الأمنية الاقتصادية لا تزال تحكم فى مصر بلا تغيير، والحكم القائم فيها يهادنها وأقل ما يقال فيه إنه مخيب للآمال. سوريا تحكمها الحرب الأهلية، تقصفها إسرائيل، فلا تجد فيها مسلحا واحدا يطلق النار عليها رغم أنها محشوة بالسلاح حشوا، لأن أهلها مشغولون بإطلاق النار على أنفسهم، وإن لمت أى طرف من الطرفين لم يجدوا إلا السباب دفاعا، لأنك حين تذكرهم، توجعهم كما تتوجع. تمر ذكرى النكبة ولا أحد يرى أن محاربة إسرائيل هى أولويته، فلسطين تأتى ثانيا. وأنت ترى فى وجهك ووجوه أصحابك هذا السؤال عن تغير البشر، كأن البهاء الذى ظهر فى لحظة اختفى، كأنه وحى هبط عليهم وارتفع على وعد أن يعود فتأخر.

 

خطر لص الخيول العجوز هذا على بالى وأنا أفكر فى حالنا تلك. إن ابن منقذ لم يورد ذكره عبثا، لقد كان زمن بن منقذ، كزماننا، وقت هزيمة ونصر، وظنى أنه أورد الزمركل مجازا عن حالات الناس فى أزمنة كهذه.  إن لص الخيول الفقير، العارى، قد يتحول فى لحظة بقدرة قادر إلى بطل يهاجم جيشا إفرنجيا فيه أمير أنطاكية أو ملك بيت المقدس، رابطا على خصره سكينا بخيط، وبلا سراويل، جلالته فى شَعَثِه. وهو نفسه، فى لحظة أخرى، مجرد لص خيول، حين يرى مقاتلا يريد أن يسرق من خيل الافرنج، أى أن ينافسه على رزقه، يستنذل، ويصيح حتى يخرِّب على المقاتل كما خرَّب المقاتل عليه.

 

إن الناس الذين نصروا الحق والخير والجمال فى هذه الثورة، لم يتبخروا، هم أنفسهم من كنت أنت أيها القارئ الكريم تتململ منهم، أو ربما تخافهم إذا صادفتهم فى الأزقة والحوارى. منحوك ثورة وخلعوا حاكمك الظالم، ونصبوا بدلا منه نظاما آخر، فسماهم هذا النظام، سواء العسكرى أو المدنى، بالبلطجية، ولم يراع مصالحهم ولا ما ثاروا من أجله. لا أدرى إن كان الوحى هو الذى ارتفع أم أنك أنت أشحت وجهك عنه فلم تعد تراه وهو ماثل أمامك. إن المقاتل الذى خانه الزمركل وصاح ونبه عليه الفرنج، كان من جند مُعين الدين أُنَر أمير حمص حينها ثم أمير دمشق، وهو أحد الملوك الذين كانوا مهادنين للفرنج، بل عقد حلفا عسكريا معهم ضد عماد الدين زنكى أمير حلب. لقد كان الأمير أخون من اللص.

 

ربما لم يكن أسامة بن منقذ يريد لنا أن نقرأ فى قصة اللص إلا طرفة، كتابه كتاب مذكرات، لا كتاب فلسفة. ربما، ولكننى أفضل أن أقرأ الكتاب على أنه مجاز، فقد سماه صاحبه الكتاب الاعتبار قصد أم لم يقصد، وفتح لى بذلك بابا ما كنت لأوصده.

 

●●●

 

لذلك فسأختم هذا المقال بمثل أخير من الكتاب. هاجم الفرنج صديقهم الأمير معين الدين أُنَر. لأن المهادن غير جاهز للقتال، فهو لقمة سائغة لهم. ولما لم يكن لدى معين الدين جيش كبير، خرج أهل دمشق يدافعون عنها.  ويروى بن منقذ قصة شيخين كبيرين ضعيفى البصر من الفقهاء المجاورين فى دمشق خرجا للقتال، يوسف الفندلاوى من المغرب، وعبد الرحمن الحلحولى من الخليل فى فلسطين. وقفا بالنبابيت خارج أسوار البلد وأمامهم عسكر الفرنج الضخم، فمر عليهم معين الدين، وقال للفندلاوى: أنت شيخ كبير أدخل البلد ونحن نكفيك، فقال له: «قد بعت، واشترى مني» يقصد الآية الكريمة : «إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة». ولأن الفقيهين ضعيفا البصر، سأل الفلسطينى منهما صاحبه المغربى ليتأكد:  أما هؤلاء الروم أمامنا؟ ، قال: بلى، قال:  فإلى متى نحن وقوف؟ قال: سر على اسم الله تعالى... ثم هجم الشيخان على الجيش الصليبى بنبوتين.

 

المهم فى هذه القصة، هو أن أهل البلد انتصروا على الفرنج وانهزمت الحملة الصليبية الثانية. صحيح أن الفقيهين استشهدا، لكن الوحى كان قد ظهر فى الناس مجددا، وأكاد أجزم أن الزمركل كان مع الناس، وكان بطلا.



اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=21052013&id=64fa8b84-e62e-44f9-a2aa-284196475581