عن صراع غد وبعد غد

الشروق

الثلاثاء 2 يوليو 2013 - 10:00 ص

 

أكتب هذا المقال صباح الأحد الثلاثين من يونيو لينشر يوم الثلاثاء. كل الاحتمالات مفتوحة، وإذا كتبت عن توقعاتي لهذا اليوم وما بعده  فسيكون المقال حين يقرأ بعدها بيومين مملا إن صدقت التوقعات ومضحكا إن لم تصدق. لذلك لن أتكلم عما سيكون بل عن المبادئ التى نسعى لتحقيقها أيا كانت النتائج.

 

أولا: فى اعتقادى أنا غير الملزم لسواى، أن الثورة قامت حين قامت من ثلاثين شهرا لزيادة حرية الفرد من ضغط المجتمع وزيادة حرية المجتمع من ضغط الدولة، وزيادة حرية الدولة من ضغط الأمريكيين، وأن مطلب الكرامة الإنسانية يقتضى هذه الحريات الثلاث. كذلك قامت الثورة من أجل العدل الاجتماعى، وحسن توزيع الثروة لكى لا يأكل غنى الناس فقيرهم.

 

ثانيا: حَكَمَ مبارك وأنصاره، وهم من سماهم الناس الفلول بعد سقوطه، مصر ثلاثين سنة، لم يفعلوا فيها غير الخيانة العظمى كل يوم وليلة، قتلوا معارضيهم وصلبوهم على أبدان المدرعات فى الصعيد وانتهكوا حرمات بيوتهم فى سيناء وعذبوا الناس فى السجون فى كل بقعة من أرض مصر. وأرسلوا الجيش المصرى ليحارب العراق مع الولايات المتحدة الأمريكية، ثم ضربوا حصارا على أهل غزة لكى تقتلهم إسرائيل ولا يجدوا ملجأ من الموت، وأغرقوهم بماء المجارى فى الأنفاق إذا سعوا ليأتوا بكيس طحين لذويهم، بل أعلنت إسرائيل يومها الحرب على الفلسطينيين من القاهرة فى مؤتمر صحفى بوزارة الخارجية بين تسيبى ليفنى وأحمد أبو الغيط. وكان دخول السائح الإسرائيلى إلى شرم الشيخ أسهل من دخول المصرى البدوى من أهل سيناء إليها.

 

●●●

 

ثالثا: أطاح الشعب المصرى حكم مبارك، وتولى الحكم بعده مجلس عسكرى عين هو كل اعضائه، فلم تتغير سياسة العسكر عن سياسة من سبقهم، بقيت مصر فى حلفها الاستراتيجى مع الولايات المتحدة، وتعاونها السلمى والأمنى مع إسرائيل، وعداوتها لأهل سيناء، وبقيت الشرطة المصرية تقتل الناس من التعذيب، وتحذف أسماءهم من كشوف المشارح، وتهدد أهلهم ليتنازلوا عن دمهم، وبقى المصريون لا يجدون قوت يومهم. بل عاقبت الداخلية المصريين الذين كسروها فى الثورة بأن أهملت الأمن الجنائى تماما وأطلقت عليهم قطعان المجرمين كأنها تقايضهم، إما أن يخسروا كرامتهم أو أمنهم.

 

رابعا: أطاح الشعب المصرى بالحكم العسكرى بسبب ما سبق، ولم يحدد المجلس العسكرى موعدا للانتخابات الرئاسية إلا بسبب مظاهرات محمد محمود وما تلاها، وأدت الانتخابات إلى فوز مرشح جماعة الإخوان المسلمين برئاسة البلاد. إلا أن القيادة الحالية أيضا أبقت مصر فى حلفها الاستراتيجى مع الولايات المتحدة، وسمحت بالعملية نسر فى سيناء والتى صرح المتحدث الرسمى باسم القوات المسلحة أنها تتم بالتنسيق مع إسرائيل، وأدخلت مصر طرفا فى صراع سنى شيعي، إسرائيل هى المستفيد الأكبر منه، وأدخلت حماس فى حلف الاعتدال العربى فأصبحت لا تهدد إسرائيل إلا بإذن من القاهرة، والقاهرة، كما قلنا، بقيت فى حلفها الاستراتيجى مع واشنطن. هذا فى باب حرية الدولة من ضغط الاستعمار الأمريكي، أما فى باب حرية المجتمع من الدولة والفرد من المجتمع، فلم يقل عدد الذين يموتون من التعذيب فى عهد هذه الحكومة عن عهد سابقاتها، إذ لم يقم الحكم الحالى بأى تطهير يذكر للأجهزة الأمنية. وفى الاقتصاد حدث ولا حرج.

 

●●●

 

خامساً: وهو الأهم، نشأ عن ما سبق وجود معارضتين متناقضتين لحكم جماعة الإخوان، ثوار هدفهم هو ما ذكرناه فى النقطة الأولى يجب أن يحكموا، وفلول يريدون عودة الزمن إلى الوراء ولا يجب أن يحكموا. وانقسم الفلول أيضا نوعين، فلول العسكر وفلول مبارك. لقد حَكَمَ مبارك وفشل وحَكَمَ العَسكر وفشلوا ثم حكمت الجماعة ولم تنجح، فلا يعقل للمعترضين على الفشل الجديد أن يرضوا بعودة الفشل القديم. ولا يمكن أن يكون الخلاص من الوضع الحالى فى الرهط الذين كان الوضع الحالى خلاصا منهم. إن من يرى فى فلول العسكر أو فى فلول مبارك حلا أو حليفا إنما يضر نفسه، إن حكم هؤلاء فلن يرحموا الثوار الذين أطاحوا بهم وأزالوا سلطانهم، بل إنك لا تأمن إذا نزلوا معك فى مظاهرة إلى أى ظهر أو صدر سيوجهون رصاصهم. وغنى عن الذكر أن ثأرنا مع الفلول أطول وأعمق وأكبر من ثأرنا مع من فشلوا فى إزالة الفلول. إن التبعية فى الخارج سببها حلف المؤسسة الأمنية العسكرية  مع واشنطن، والقمع والجوع فى الداخل سببهما ميزانيتها الضخمة التى تنفق على سلاح أمريكى لا يصلح للدفاع ولا للردع.

 

ولا تعالج الحروق بالكي. أقول إن على الثوار أن يحكموا بأنفسهم، سواء أفلحوا فى ذلك هذه المرة أم لا، فلا بد لهم أن يستمروا فى السعى للحُكْم مباشرة لا أن يولوا ويعزلوا غيرهم، فقد جربنا غيرهم من جميع القوى المنظمة حتى الآن: المباركيون حكموا ثلاثين سنة، والعسكر سنة، ومكتب الإرشاد سنة، فأى سنة من هذه السنوات الاثنين والثلاثين نريد أن نعيد؟

 

●●●

 

سادساً: أيا كانت نتيجة هذه المظاهرات، سواء بقاء الوضع على ما هو عليه، أو استكمال للثورة، أو النكوص للحكم العسكرى أو الفلولي، أو لا سمح الله الاقتتال الأهلى، فلا بد أن تستمر حركة الرفض الثورية الجذرية التى لا تساوم على الحريات الثلاث المذكورة أعلاه، وأن يستمر الرفض لفكرة الحلف مع أمريكا وإسرائيل والمؤسسة الأمنية القمعية. من حالف هؤلاء عاديناه سواء كان فى السلطة أو خارجها، تنطع ودس نفسه بيننا أو أطلق علينا النار، وأيا كان توزيع الشَعر فى وجهه. إن أمريكا تخون حلفاءها، وحلفاء أمريكا يخونون حلفاءهم، وتحالف  بعض قادة المعارضة مع الفلول هو كتحالف الحكام مع أمريكا، فلا تمت فى حرب بين حليفين لأمريكا ولا فى حرب بين عدوين لها. طهر صفك فى المعارضة لتطهر دولتك حين تحكم، وليعتبر كل بخصمه، وإن قلة مجتمعة على مشروع واضح وقلب سليم خير من كثرة متناقضة يخون بعضها بعضا. المعارضة الحقة هى التى لا تساوم، ولا تنهى عن خلق وتأتى مثله. فلا تسمح لعدوك القديم أن يقودك، إننا نريد لأرواح شهداء محمد محمود أن يحكموا، لا أن نستعين على من خذلهم بمن قتلهم.



اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=02072013&id=2f753c52-8a10-4eb3-aa46-2b20ec4fc150