الحل الأفعى

الشروق

الثلاثاء 30 يوليو 2013 - 9:06 ص

 

الحرب الأهلية قد لا يتعرف عليها من يراها للمرة الأولى، لكنها لا تلبث أن تعرفه بنفسها جيدا.

 

ترتكب الحكومة المصرية الحالية خطأ الحكومة السورية حين تختار الحل الأمنى، وترتكب جماعة الإخوان المسلمين خطأ المعارضة السورية إذ حاولت أخذ البلاد للاقتتال الأهلى والفتنة الطائفية والتدخل الخارجى. كذلك فقد ارتكبت جماعة الإخوان المسلمين حين كانت فى الحكم خطأ الحكومة السورية برفضها اللجوء للانتخابات كحل وسط مع المعارضة. فلو أن الحكومة السورية قبلت بانتخابات رئاسية مبكرة فى ربيع عام ألفين وأحد عشر لأعفت سوريا والسوريين والعرب جميعا من هذه الكارثة، ولو قبلت جماعة الإخوان المسلمين فى مصر بإجراء انتخابات مبكرة قبل يوم الثلاثين من يونيو الماضى أو فى مهلة اليومين التاليين له، لأعفت مصر والمصريين وسائر العرب من هذا الذى نحن فيه. لقد ارتكب الجميع فى مصر أخطاء سورية، وصرت أرى وجوه الناس منقسمة فنصف قاتل ونصف قتيل.

 

ثم يسألونك، ألم تكونوا ترون هذا قبل يوم الثلاثين؟ فنجيبهم: نعم، ولأننا كنا نراه طالبنا بانتخابات رئاسية مبكرة، لم يكن مطلب الانتخابات المبكرة غطاء لانقلاب عسكرى، بل كان محاولة لدرء الانقلاب العسكرى. إن ما يحدد كون حدثٍ ما انقلابا عسكريا أم لا، هو ما يفعله العسكريون به، إذا أعادوا السلطة فورا إلى هيئة منتخبة، واحترموا حقوق الإنسان، فهو خير، وإن لم يفعلوا فهو شر كبير.

 

●●●

 

أخطأ الجميع، لكن الخطأ بلغ طور الجريمة يوم مذبحة الحرس الجمهورى حيث فتح الجنود النار على معتصمين زعم الإعلام أنهم مسلحون رغم أن كل القتلى أو جلهم، كانوا منهم لا من الجنود، فهل كانوا مسلحين بالحلوى حتى تكون كل الإصابات فيهم، أم أنهم كانوا يقتلون أنفسهم؟! ثم جاء دور الداخلية فقتلت أكثر من ضعف من قُتل أمام الحرس الجمهورى، وتراوحت الأعداد، حسب انحياز وسيلة الإعلام الناقلة، من الخمسين إلى المائتين، والجرحى بين المئات والآلاف. إن جريمة كهذه يستقيل من أجلها وزيرا الدفاع والداخلية بل والوزارة ورئيس الجمهورية فى الدول التى تحترم حقوق الإنسان.

 

ثم يقولون لك، ألا ترى ما فعل الإخوان بمصر؟ بلى أراه، ولكن الحكم الحالى شريك للإخوان المسلمين فى كل ما فعلوه: إن كنا ننقم عليهم أنهم سمحوا بالعملية نسر التى يتم التنسيق فيها بين المؤسسة العسكرية المصرية وإسرائيل، فإن من يحكمنا اليوم، إذا وضعنا الشكليات الجوفاء جانبا، هو عين تلك المؤسسة العسكرية التى تنسق مع إسرائيل. وحين اختار العهد الجديد أن يحاكم محمد مرسى حاكمَهُ بتهمة التخابر، لا مع إسرائيل، بل مع المقاومة الفلسطينية فى غزة. إن التخابر مع حماس ليس تهمة فى أية دولة من دول المنطقة إلا فى إسرائيل، ومن مهام الرئيس أن يتعامل مع جيرانه. لكن العهد الحالى لم يجرؤ على محاكمة مرسى بتهمة التنسيق الأمنى مع إسرائيل لأن العهد الحالى كان هو المتولى لعملية التنسيق هذه. ثم إن كان مما نقمه الناس على مرسى تخطيه الدستور، فإن فى إلغاء دستور مستفتى عليه وإقالة رئيس منتخب دون إجراء انتخابات مبكرة، ولا حتى تحديد موعد لها، هو انتهاك أكبر للفكرة الديمقراطية. وإن كان الناس نقموا على مرسى أن متظاهرين قتلوا فى عهده، فكم متظاهرا قتل فى العهد الحالى؟ أفهم أن يحاسب مرسى إن كان من يحاسبه شخصا آخر غير من كان جزءا من دولته وارتكب تلك الأفعال باسمه.

 

نعم إن مشكلة الإخوان المسلمين أنهم تبنوا أفعى الفلول، وأبقوا على رجال الداخلية والمؤسسة العسكرية ورجال الأعمال المنتمين لنظام مبارك، كما أبقوا على الحلف الاستراتيجى مع الولايات المتحدة وعلى اتفاقية السلام مع إسرائيل وقرروا بعد ثمانين سنة من الهتاف للقدس أن يعلنوا الجهاد على حزب الله. نعم احتضن الإخوان المسلمون الأفعى، وهذه جريمة كبرى ترقى لمستوى خيانة الثورة وكان يجب أن يطاح بهم من الحكم عقابا عليها.. إلا أن كل هذه المقولة تبطل البطلان الشامل إذا ما أطاح الناس بالإخوان ليولوا مكانهم تلك الأفعى نفسها، وكما لدغت الأفعى الإخوان فإنها سوف تلدغ من يتبناها اليوم. وإن كل مقتلة ومذبحة للإسلاميين فى الشوارع تقلل من شرعية القوى المدنية، لا سيما الليبرالى منها والمهتم بحقوق الإنسان.

 

●●●

 

إن الحل الأمنى، والذى يمكن للتبسيط أن نسميه الحل الأفعى، يلدغ صاحبه من ألف جهة: أولها أنه فاشل، لم ينجح الحل الأمنى فى إخضاع حركة تمرد فى بلادنا سواء كانت مسلحة أو عزلاء، وإن نجح فإن نجاحه يكون مصيبة أكبر من فشله، ولنا فى جيراننا عبر. إن الحل الأمنى لن يقضى على الإسلام السياسى فى مصر، كل ما هنالك أنه سيزيد تمسك القواعد بقياداتها، بدلا من أن ينفضوا عنهم ويحاسبوهم على تخاذلهم وفشلهم.

 

وكنت كتبت من قبل، أن البلوى تزداد، لأن الاقتتال الأهلى الواقع اليوم، واقع بين طرفين قريبين من الولايات المتحدة، طرف حليف للحزب الديمقراطى وتركيا وقطر، كان يسكت عن التنسيق الأمنى مع إسرائيل، وطرف حليف للحزب الجمهورى والسعودية والإمارات، وكان يشرف على التنسيق الأمنى مع إسرائيل. نعم إن ثمة شرا أهون من شر. إن العهد السابق لم يرجع جهاز أمن الدولة إلى وظيفته، وكان ثمة رئيس تكتب شتيمته على أبواب قصره ولا يقدر أن يبطش، أما الآن، فإن القنوات تغلق والصحف تهدد، والتعامل مع المقاومة صار تخابرا بينما التعامل مع إسرائيل صلة رحم.

 

●●●

 

نعم إن ثم شرا أهون من شر، ولكن الفرق بين الشرين لا يستحق أن تراق فيه هذه الدماء، إن كان ولا بد، خيروا الناس بين ما تطرحونه عليهم من شرور فى انتخابات مبكرة حالا، ربما تتاح الفرصة للمساكين من رفاقنا الثوار، أن يطرحوا هم أيضا خيارا، فيه إلغاء أمن الدولة والأمن المركزى وإلغاء اتفاقية السلام مع إسرائيل وإنهاء الحلف الاستراتيجى مع الولايات المتحدة، وتحويل الإنفاق الذى يضيع فى شراء سلاح أمريكى يقتل العرب ولا يحميهم، إلى إنفاق على الصحة والتعليم والخدمات. أدرى أن الناس المشغولين بالانتقام من الطرفين لن يلتفتوا لهذا الطرح، ولكن هذا هو الطرح الثورى الوحيد، والأمر آيل إليه اليوم أو غدا أو بعد غد.. فكفوا عن الموت، وخيروا الناس.. وإلا فإن الحرب الأهلية، لا قدر الله، ستصر على تعريفنا بنفسها.



اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=30072013&id=4fa33744-19a7-47a7-be29-8b611c25dfa0