دبابتان على المقهـى

الشروق

الثلاثاء 22 أكتوبر 2013 - 8:25 ص

 

دبابتان على المقهى. لا أمزح، هناك دباباتان على مقهى البورصة وسط القاهرة، جنازيرهما تستقر على شارع مبلط مخصص للمشاة، وعلى الدبابتين مدفعان رشاشان مضادان للدروع ويصلحان للتصويب على المروحيات المنخفضة، يصوبهما الجندى على أكواب الشاى، وقد تدلى من كل مدفع منهما شريط رصاص، كل رصاصة فيه بحجم قرن الجاموس، وقد ترك الجندى مخزن الرصاص مفتوحا ليرينا أن الشريط ملقم فى المدفع جاهز للإطلاق. الجندى نحيل وعليه خوذة أكبر من رأسه جعلته أشبه بالشمسية، وعلى بدن كل من الدبابتين ملصق فيه صورتان لرئيسى مصر الأسبقين جمال عبدالناصر وأنور السادات، وبدلا من حسنى مبارك، تبدو صورة السيد وزير الدفاع ثالثا لهما.

 

ميدان التحرير مغلق، لا يقتصر الأمر على منع مرور السيارات فيه، بل هو يتعداه إلى منع المشاة من السير هناك، وعلى مدخله من جهة المتحف المصرى وميدان عبدالمنعم رياض ست دبابات مصطفات برشاشاتها وملصقاتها وجنودها وخوذهم الضخمة، وأمام صف الدبابات هذا سلك شائك. وبقية مداخل الميدان عليها تشكيل شبيه بهذا. وتطالعك الصحف بأن الحكومة، التى تدعى أنها أتت بثورة، سوف تبنى أسوارا حديدية حول الميدان فلا يدخله الناس، إذا سمح لهم بدخوله، إلا من بوابات يفتشون عندها وتنصب فيها كاشفات معادن كتلك التى فى المطارات. إن هذه الحكومة تريد اعتقال الميدان، ولم أر أو أسمع من قبل عن ميدان يعتقل.

 

●●●

 

الإعلام، وملصقات الدبابات، يصر على تشبيه الحكام الحاليين بجمال عبدالناصر، ولا أفهم كيف يستقيم التشبيه وكامب ديفيد قائمة والتنسيق الأمنى مع إسرائيل على أشده فى سيناء، وحصار غزة محكم وأنفاقها تهدم ويمنع أهلها الوقود والدواء والغذاء، فالحاكم الحالى لمصر يرى أن الفلسطينيين هم العدو وأن إسرائيل هى الشريك الجدير بالتنسيق معه. إننا فى بلادنا طالما فرض علينا التاريخ الخيار القاسى بين الاستبداد والاستعمار. فإن كان من سبب للصبر على الاستبداد، على مضض، فلأنه يقاوم الاستعمار، وفى العراق أمس وفى الشام اليوم، قد يصبر الناس على الاستبداد نفورا من الغزو الأمريكى أو من الحرب الأهلية أو حماية للمقاومة فى لبنان وفلسطين. أما فى مصر، فإننا نرى استبدادا واستعمارا معا، نرى استبدادا وكامب ديفيد، استبدادا وتجويعا للفلسطينيين وتنسيقا مع إسرائيل. وفى كتب الأخبار أن الحجاج حين ورد العراق، خطب فى الناس فقال يا أهل العراق أما ترون أن الله رفع عنكم الطاعون مذ وليتكم؟ فصاح رجل من أقصى المسجد: «إن الله أوسع رحمة من أن يجمع علينا الحجاج والطاعون فى عام واحد». والظاهر أننا فى مصر قد اجتمع علينا الحجاج والطاعون. بل إن الحجاج كان يسيِر البعوث ويفتح البلدان ويقاتل الديلم، أما حجاجنا اليوم فينسق أمنيا مع الديلم علينا.

 

ثم إذا اعترض معترض على هذا كله، وقال إن فكرتنا عن الثورة تختلف بعض الشيء عن احتلال المقاهى بالدبابات واعتقال الميادين ببوابات الحديد قيل له أنت من الإخوان المسلمين، حتى وإن كان الرجل أو المرأة قد بح صوته فى معارضة مكتب إرشاد الإخوان المسلمين لما فعلوه بنا وبالثورة وبمصر وفلسطين وسوريا ولبنان والمنطقة بأسرها. إذا اعترضت على ظلم الحكومة الحالية اتهموك بالمسؤولية عن ظلم الحكومة السابقة، والمضحك أن الحاكمين الذين يتهمونك هم المسئولون عن الظلْميْن! ألم يكن وزير الدفاع اليوم وزير الدفاع أمس؟ ألم يكن وزير الداخلية اليوم وزير الداخلية أمس؟ هل من تغير جذرى فى أى شىء، أى شىء، منذ عهد مبارك ثم طنطاوى ثم مرسى ثم الأخ الأستاذ الرئيس عدلى منصور؟ ألم تكن المؤسسة العسكرية والأمنية هى المتحكمة فى كل شىء طوال الوقت؟ أليسوا هم المتحكمين فى قناة السويس والغاز والبترول والحرب فى سيناء وخنق قطاع غزة والسلام مع إسرائيل؟ فلا تتهمونا أيها السادة حين نعترض عليكم أننا نفعل ذلك لحساب الإخوان، فالإخوان عينوكم أنتم وزراء، بينما وضعوا رفاقنا فى السجون وغطوا عليكم حين أطلقتم علينا النار فى عهدهم.

 

●●●

 

 وأنتم كنتم سعداء بإطلاق النار علينا فى عهدهم كما أنتم سعداء اليوم بإطلاق النار عليهم، لأنكم ببساطة تحبون إطلاق النار على من كان أضعف منكم سلاحا وشوكة. أنتم أبناء مدرسة ترى أن خوف الناس منكم هو مصدر سلطتكم عليهم، وتظنون أن كل رصاصة تطلقونها على فتى لتقتله تصنع لكم مهابة فى قلوب عشرة آخرين، لذلك تنتشون مع كل رصاصة فى قلب المتظاهر وكل صعقة كهرباء فى جسد العارى وكل صفعة على وجه المقيد، تظنونها دعامة لكرسى الحكم وتوطيدا «للنظام». لم تكونوا معارضين للإخوان، بل كنتم وزراءهم، ولا كنتم معارضين لمبارك بل كنتم قادة عسكره وشرطته واستخباراته، وتتكلمون اليوم باسم الثورة!

 

 أنتم أنتم لم تتغيروا، ونحن نحن لم نتغير، أما الإخوان، فلهم قيادة لا تمل من التغيير، قواعدها وحلفاؤها أول ضحاياها، ولا تحفظ وعودها، تثور معنا حينا، وتحالفكم حينا ثم تثور مرة أخرى حين تنقلبون عليها، ولا أستبعد أن تحالفكم مرة أخرى غدا كما حالفتكم من قبل ثم ان يغدر أحدكما بصاحبه وهكذا إلى أن تملا ويملكما التاريخ.

 

وإن زعمتم بأن علاقتكم بواشنطن متوترة وظننتم أن فى هذا استقلالا ومقاومة، فأنتم تكذبون. صحيح، إن علاقتكم متوترة بالحزب الديمقراطى الأمريكى والإدارة الحالية، وبأوروبا وحلف الناتو، وهذا حلف كان يريد احتواء الثورة المصرية والالتفاف عليها بواسطة الإخوان المسلمين وفشل، ولكن علاقتكم ممتازة بحلف آخر لا يقل استعمارية عن الحلف الأول، فيه المملكة العربية السعودية والإمارات وإسرائيل واللوبى الصهيونى فى الولايات المتحدة والحزب الجمهورى الأمريكى وهو حلف يفضل سحق هذه الثورة بالقوة العسكرية لا احتواءها. خصومتكم مع واشنطن لأنكم ملكيون أكثر من الملك ولو أن جورج بوش كان رئيسا لكنتم معه فى خير حال.

 

اقمعوا ما شئتم، وصالحوا إسرائيل ما شئتم، وضعوا الدبابات فى المقاهى ما شئتم، وابنوا سورا حول كل ميدان، فلو كان هذا نفعاً من كان قبلكم فسينفعكم.

 

استشارى بالأمم المتحدة



اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=22102013&id=27516222-3ae9-451c-a2ca-ccedc783e14e