رفع الشوارع على الرماح

الشروق

الإثنين 4 نوفمبر 2013 - 9:39 م

 

خذ هذا المشهد: فى مكان ما بالعراق، بعد عودة الناس من صفين، وبعد أن رفع الأمويون المصاحف على الرماح وهم على وشك الهزيمة، وبعد أن أدرك على بن أبى طالب أنهم يريدون كسب الوقت واستخدام الحيلة فى المفاوضات وشق صف جيشه فنهى أنصاره عن الاستجابة، وبعد أن عصاه أنصاره فقبلوا بالتحكيم، ثم اكتشفوا أنه خدعة ولاموه، وقف وخاطبهم قائلا: «أناشدكم بالله أتعلمون أنهم، حيث رفعوا المصاحف، فقلتم نجيبهم إلى كتاب الله، قلت لكم إنى أعلم بالقوم منكم، إنهم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، إنى صحبتهم وعرفتهم أطفالا ورجالا فكانوا شر أطفال وشر رجال، أمضوا على حقكم وصدقكم فإنما رفع القوم هذه المصاحف خديعة ودهنا ومكيدة، فرددتم علىّ رأيى وقلتم: لا بل نقبل منهم، فقلت لكم اذكروا قولى لكم ومعصيتكم إياى، فلما أبيتم إلا الكتاب اشترطتُ على الحكمين أن يُحييا ما أحيا القرآن وأن يُميتا ما أمات القرآن فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف حكما فى القرآن وإن أبيا فنحن من حكمهما برآء».

خذ عندك المشهد الثانى، الوليد بن يزيد بن عبدالملك بن مروان، الذى رفع قومه المصاحف على الرماح واحتكموا إليها، وزعموا أنها حكمت لهم، فى قصره بالشام يقرأ سورة إبراهيم: «وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ. وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ. وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ»، فيدعو بالقوس والكنانة ويرمى المصحف بالسهام وهو يقول «أتُوعِدُ كل جبارٍ عنيدٍ/ فها أنا ذاك جبارٌ عنيدُ/ فإن لاقيتَ ربَّكَ يومَ حشرٍ/ فقل ياربِّ مزقنى الوليدُ».

ذكرت هذا الكلام من كثرة استناد الفلول إلى حشود الثلاثين من يونيو كمصدر لشرعية عودتهم إلى الحكم. إن الأمويين حين أرادوا إحراج على رفعوا المصاحف على الرماح، كأنهم كانوا يقولون له، أنت تزعم أن الحكم لك بشرعية هذا الكتاب الذى جاء به ابن عمك، فها نحن نحاكمك إليه، فأدى التحكيم فى النهاية إلى أن يتربعوا على العرش بحجة أنهم يحترمون الكتاب ويحكمون به، ثم ما لبثوا أن رموا الكتاب نفسه بالسهام.

إن الأمويين كانوا يحاكمون عليا إلى المصحف الذى هو أساس شرعيته، تماماً كما يلوح لنا الفلول اليوم بالحشود التى كانت أساس شرعية ثورتنا. الحشود هنا هى المصحف، يتذرعون بها حتى يحكموا ثم يرمونها لاحقاً بالسهام.

يا سيادة الحاكم الواثق الآمر المقتدر القاهر الظاهر، بدلاً من التلويح بالمصحف إقرأ ما فيه، وبدلاً من التلويح بحشود الثلاثين من يونيو أو غيرها أقرأ هتافاتها ومطالبها، خرجوا للديمقراطية لا لاستبدادك، خرجوا للاستقلال لا للتعاون الأمنى مع إسرائيل، خرجوا ضد ما رأوه حلا وسطا مزريا بين الثورة وبين نقيضها، وأنت نقيضها، خرجوا لاستكمال الثورة لا للقضاء عليها كما تفعل أنت، فلا تلوح بالحشود، هذه الحشود ليست حشودك، كذبت عليها وعنها وتكلمت باسمها زورا وظلما، لا ترفع المصحف على رماحك فرفع المصاحف لا يجوز لك.

•••

أكتب هذا اليوم لا من باب النظر إلى الماضى بل من باب الإنذار من المستقبل، لأننى أراه يتكرر، وكل قمع يحصل فى البلد يحصل باسم حشود هى بريئة منه. ثم إن الأمر تعدى مصر إلى فلسطين، فهناك دعوات لما يسمى بحركة تمرد فى غزة، والعاقل من اعتبر بغيره، إن «التمرد» على حكومة غزة، رغم كل مشاكلها، ومشاكلها كبيرة، بدون بديل مقاوم لن يصب إلا فى مصلحة أوسلو، ولن يكون فى فلسطين من قوة قادرة على منع توقيع اتفاق تتنازل بموجبه منظمة التحرير الفلسطينية نيابة عن الشعب الفلسطينى عن حق العودة والقدس وعن ثمانية وسبعين بالمائة من أرض فلسطين، عن حيفا ويافا وعكا والناصرة وعسقلان وبيسان وطبرية وتوقع، باسمى وباسمك وباسم أبنائنا إلى آخر الدهر أن هذه مدن إسرائيلية لا حق لنا فيها إلا أن نزورها سياحاً فى يوم من الأيام. نعم لقد ارتكبت هذه الحكومة ما لا يطاق، خرجت من حلف يسلحها إلى حلف وعدها بالمال، ولم تجرَ انتخابات منذ تولت، والبعض فيها تفرَّغ ليصبح مصمم أزياء مسلحاً يلاحق الشباب والفتيات بل وحتى التماثيل فى واجهات الدكاكين بسبب ما يلبسونه، أدرى بهذا كله، ولكن التغيير بدون بديل أكثر ثورية وأكثر مقاومة بوضوح فى بلد تحت الاحتلال سيكون خطوة للوراء.

•••

إن حركة تمرد فى مصر، لم تتمرد على فض الاعتصامات وإغلاق قنوات التلفزيون وقتل الناس وحرق جثثهم واعتقال بنات المدارس، رموا مصحفهم بألف سهم وسهم، ولا أعلم عن تمرد تؤيده الشرطة والعسكر، آمَنُ تمرد وأسهلُ تمردٍ وأرغدُ تمردٍ فى التاريخ، كذلك فلا أفهم تمردا فى فلسطين تؤيده دولة الاحتلال، ويجلس المتحمسون له مع الاحتلال جذلين، هذا ليس تمردا، هذا يسمى العكس تماما، يسمى تعاونا مع الاحتلال، من تعاونَ تَعاوناً فهو مُتَعَاوِنْ. وقد قلت من قبل، إن أى حراك يهدد المقاومة اللبنانية لا يكون ثوريا، وإن أى حراك يهدد المقاومة الفلسطينية فليس حراكا ثوريا.

أيها الناس، فى مصر وفى فلسطين، أمضوا على حقكم وصدقكم إنما يرفعون الشوارع على رماحهم خديعة ودهنا ومكيدة، يرفعونها اليوم ليرموها بالسهام غدا، لقد عرفناهم أطفالا ورجالا فكانوا شر أطفال وشر رجال.

 

 

 

 

 

 



اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=04112013&id=bbf693c6-3d96-4168-b09b-be2d676813ef