إنكم تثيرون فضولى

الشروق

الجمعة 17 يناير 2014 - 8:09 ص

 

هذا النظام الحاكم فى مصر يثير فضولى. وأظنه يثير فضول الكثيرين من الدارسين للعلوم السياسية والتاريخ. يثير فضولى أمله فى الاستمرار. منذ أيام، أعلن المتحدث الرسمى باسم وزارة الداخلية المصرية أن من يقود مظاهرة لجماعة الإخوان المسلمين سوف يعاقب بالإعدام حتى وإن كان سيدة. طيب، وزارة الداخلية تقتل من متظاهرى الإخوان الفتى تلو الفتى منذ شهور، ماذا لو تحولت جنازة أحدهم إلى مظاهرة. إن قائد المظاهرة فى هذه الحالة سيكون هو المتوفى، فهل ينوى جنود وزارة الداخلية، كجنود الرومان القدامى، أن يقيموا الفتى المسجى من على خشبته، لينفذوا فيه حكم الإعدام؟ ثم إن أقاموه من الموت وأعدموه ثم تحول جنازته مرة ثانية إلى مظاهرة، هل سيقيمونه ثانية ويعدمونه ثانية فيقود فى جنازته الثالثة مظاهرة ثالثة وهكذا دواليك؟ كم مظاهرة سيقود هذا الفتى القتيل.. وكم مرة سيعدمونه.. وهل لهم طاقة بعدد المظاهرات التى سيقودها.. ومتى انتصر شرطى على ميت؟

•••

لا يقتصر قولى السابق على المجاز، بل إن مناهج العلم السياسى والاقتصاد الجاف سوف يوصلان القارئ الكريم إلى النتيجة ذاتها. إن هذا الحكم لن يستمر ما لم يجد حلا للمشكلة الاقتصادية. واقتصاده أغلبه ريعى يعتمد على السياحة وقناة السويس والنفط ثم على الاستثمار الخارجى، وهذه كلها تتأثر بالوضع الأمنى فى البلاد. ونظرية حكام مصر اليوم، كنظرية حكامها أمس وحكامها أمس الأول، تقول بأن استتباب الأمن يؤدى إلى انتعاش الاقتصاد. فكيف يستتب الأمن بالإعلان عن أن من يقود مظاهرة سيعدم وأن من يشارك فيها سيسجن خمس سنوات وكذلك من لم يشارك فيها ولكنه يكتب عنها أو يؤيدها أن يضع إشارة رابعة العدوية على مواقع التواصل الاجتماعى؟ وحتى من لم يشارك فيها ولم يدع إليها ولم يكتب عنها هو أيضا معرض للإعدام أو للسجن خمس سنوات أو للتعذيب فى أقسام الشرطة لو أن أحد جيرانه أو أعدائه أو المغتاظين منه أو الطامعين فيه أو المنافسين له اتصل بالأرقام التى نشرتها وزارة الداخلية على التليفزيون متهما إياه زورا بأنه عضو فى جماعة الإخوان المسلمين؟ هل تركتم للناس من بديل يأمنون فيه على أنفسهم؟ أعنى، ما المطلوب من المواطن المصرى لكى يضمن أنه لن يُعدم ولن يسجن بسبب مكالمة هاتفية؟ أنتم عمليا تقولون للمواطن المصرى أنت مقتول أو معدوم أو محبوس مهما فعلت، حتى وإن بقيت فى بيتك وتحت غطائك، فإنك لا تأمن بلاغا ممن يكرهك يوصلك إلى حبل المشنقة وأنت لا تدرى. إنكم أيها الحكام الجهابذة حين تضعون الناس أمام خيار كهذا، فإنهم ببساطة سيختارون الموت فى الشارع وهم يقاومون على انتظار الموت الآتى إليهم فى منازلهم مع طرقات زوار الفجر. فإن كانت سياسة الجنرالات وواجهتهم المدنية اليوم تؤدى إلى نزول الناس إلى الشوارع بأعداد متزايدة غير عابئين بالموت، لأنهم يختارون بين موتين، موت كريم وموت ذليل، فكيف يستتب الأمن الذى يريدون به إنعاش الاقتصاد؟ فإن لم يستتب الأمن، وأصبحنا نسير خائفين من السيارات الصافة على جانبى الشارع نسأل أنفسنا أيها المفخخ وأيها الخالى، وانسحبت الاستثمارات من البلاد، وبدأ الناس يخرجون أموالهم من البنوك، وبدأت البنوك تمنعهم من سحب أموالهم، فأصبح الغنى فقيرا وازداد الفقير فقرا، فكيف ستمنع هذه الحكومة الجوع من أن يكون أكبر قائد ومنظم وداع لمظاهرات المعارضة؟ كيف سيقبضون على الجوع ويحبسونه خمس سنوات أو يشنقونه؟ إن الحبال التى تشنق الجوعى لا تشنق جوعهم.

•••

إن نظم الاستبداد، تعيش إما برشوة الناس، وإما بحشدهم ضد خطر خارجى. إما أن يكون المستبد كريما ويُظهر معارضيه جاحدين للجميل، وإما أن يكون شجاعا فى مقاومة الاستعمار فيُظهر معارضيه خونة للوطن والأمة. إما جوع ومقاومة، أو شبع وتهاون.. ولكن لم أسمع عن مستبد جمع بين الجوع والتعاون مع إسرائيل والولايات المتحدة وعاش، وما أنور السادات وحسنى مبارك إلا مَثَلَينِ على ذلك، وما قضى على حكم الإخوان المسلمين إلا أنهم ساروا فى نفس الطريق المهلكة التى سار فيها من كان قبلهم، فأبقوا على اتفاقية السلام والحلف الاستراتيجى مع الولايات المتحدة من ناحية، ولم يحلوا المشكلة الاقتصادية من ناحية أخرى. إن الأزمة الاقتصادية الطاحنة، والتى ستزداد حدة فى مقبل الأيام، لن يستطيع الحكام الحاليون للبلاد أن يحلوها، لأن البطش يولد العنف والعنف يخيف المستثمرين والسياح ويقتل الاقتصاد، ولن يستطيعوا أن يغطوا عليها بادعاء مقاومة عدو خارجى، ببساطة لأنهم متمسكون باتفاقية السلام مع إسرائيل، ولأن المتحدث الرسمى باسم القوات المسلحة المصرية صرح أكثر من مرة أن العمليات هناك تجرى بالتنسيق معها، ولأن الحكومة الحالية فى مصر وحكومة إسرائيل تريان فى المقاومة الفلسطينية عدوا مشتركا لهما.

•••

إن للاستبداد أصولا، فى الخليج غطى الرخاء الاقتصادى على التحالف الاستراتيجى مع الولايات المتحدة وانطلاق طائرات الأجانب من بلاد العرب لتقصف بلاد العرب. وفى الشام ليس للحكام من سند إلا دعمهم لأهل جنوب لبنان وللعراقيين ضد إسرائيل والولايات المتحدة، غطى ذلك على الأزمات الاقتصادية والسياسة فى الداخل لوقت طويل. وفى العراق كان صدام حسين خليجيا فى الثمانينيات، يطعم الناس ليغطى على خوضه حربا أمريكية على إيران ثم أصبح مقاوما فى التسعينيات يغطى على جوع الناس بمقاومة الولايات المتحدة. أما هنا فى مصر، فلا أفهم على أى قدم يقف استبدادها، جوع وخوف وكامب ديفيد. فعلا يا معالى الدكتور فلان، يا سعادة الجنرال فلان، ويا أستاذ فلانين، أنتم تثيرون فضولى.

 

 

 

 

 

 



اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=31122013&id=182d10ec-484d-4b40-a846-1d039687f3a2