عن الديك والبيضة

الشروق

الجمعة 17 يناير 2014 - 8:09 ص

 

فى عام 1474 فى بازل بسويسرا قدم ديك للمحاكمة بتهمة أنه باض بيضة، وجاء فى قرار اتهامه: إنه متهم بارتكاب الفعلة الوحشية الشنعاء المنافية للطبيعة بأن باض بيضة، وكان أهل المدينة خائفين أن يكون الشيطان وراء هذه الفعلة وأن تفقس البيضة عن بازليسك أو كوكاتريس وهو وحش خيالى له جسم ديك وذيل ثعبان وجناحا خفاش كان أهل أوروبا فى القرون الوسطى يعتقدون بوجوده. وقد حُكم على الديك المسكين

بالإعدام، ونفذ فيه الحكم حرقا كما كانت العادة مع الهراطقة والسحرة.

 

وفى إيطاليا فى عام 1519، قدمت الكنيسة للمحاكمة فئران مدينة ستيلفيو، لأنها أفسدت محصول الشعير فى أحد الحقول، وحكمت المحكمة على الفئران بالنفى،

ولكن، لأن رجال الكنيسة كانوا عقلانيين، فإنهم أمروا للفئران بالحرس لحمايتها من القطط أثناء خروجها من المدينة، وأن للفأرة الحبلى أو المرضعة أن تنتظر أسبوعين قبل تنفيذ الحكم

وفى القرن السادس عشر أيضا، أفلح محام فى مدينة أوتون بفرنسا أن يوقف مقاضاة مجموعة من الجرذان لأنه دفع بعجز المتهمين عن الحضور خوفا من قطط المدينة، وأنه لما كان للمتهمين الحق فى أن توفر لهم المحكمة حرسا يأتى بهم إليها ويصرفهم عنها فإن غياب المتهمين عن المحكمة ليس بسبب امتناعهم بل بسبب فشل المحكمة فى تنفيذ مهمتها، ولما كانت التهمة شاملة كل جرذان المدينة فإن فشل المحكمة فى إحضار واحد منها أو أكثر وحمايتها من القطط أدى إلى بطلان القضية ووقف نظرها.

وفى فرنسا عام 1750، أى قبل أن يأتينا نابليون بونابرت بزعم كتابنا الحداثيين بالحضارة والتنوير بقليل، قدمت أتان، أى أنثى الحمار، إلى المحكمة بتهمة ارتكابها الفاحشة مع فلاح، ولكن الشهود شهدوا بعفة الحمارة فأطلق سراحها، وحكم على الفلاح بالإعدام.

أما فى مصر، ففى عهد محمد حسنى مبارك، اتهم فتى مصاب بشلل الأطفال أنه كان مدرب كاراتيه لجماعة إرهابية، وقدم لمحكمة عسكرية بهذه التهمة، وحكمت عليه المحكمة بالإعدام، وأعدم.

وأما فى عام 2014، فإن النائب العام لجمهورية مصر العربية يحقق فى قضية اتهم فيها أحد المطربين دمية قماشية بأنها تنشر رسائل مشفرة للقيام بعمليات إرهابية، وللحق فإن قضاة العصور الوسطى لم يصلوا إلى هذا الحد، فهم على الأقل كانوا يتهمون الكائنات الحية، ولم يتهموا أيا منها بالتخابر مع قوة أجنبية أو بالإرهاب.

•••

إننى أنفى نفيا تاما عن السلطة، أية سلطة، تهمة العته والخبل إذ لو كانت مخبولة أو معتوهة لما جاز لنا أن نأخذها بجناياتها ومظالمها، بل السلطة تعرف ما تفعل وتقصده قصدا كاملا. فى العصور الوسطى كانت الكنيسة تؤكد، بمحاكمة الحيوانات، سلطانها على الأرواح كلها، ما كان منها بشريا وغير بشرى، كما كانت المحاكمات نابعة من الاعتقاد فى أن للعالم كله نظاما إلهيا، وأن على الكنيسة من ناحية أو السلطة الزمنية المؤمنة من ناحية أخرى، أن تحافظ على هذا النظام وأن يكون الحفاظ عليه منظما بإجراءات رسمية موحدة.

أما فى مصر، فالهدف من أفعال السلطة وأقوالها هو إفقاد الشعب المصرى توازنه وثقته بنفسه. إن الحاكم حين يحاول أن يمرر حكما معتوها تماما وَيَمُرّ، يصاب الإنسان المراقب لما يجرى باليأس من الناس الذين مَرَّ عليهم هكذا حكم ولم يعترضوا. يتولد لدى كل منا، وهو غارق فى اندهاشه، يأس من جيرانه وأقربائه، ظنا منه أنهم لم يندهشوا بما يكفى ليعترضوا أو يوقفوا هذا الهزل. وثقة الناس بعضهم ببعض هى عماد الثورة. إنك حين تنزل إلى الشوارع معرضا نحرك للرصاص إنما تفعل لثقتك أن جارك سينزل معك حين يراك، وأن جاره سينزل معكما وهكذا حتى يسقط نظام الحكم الظالم. ثقة الإنسان فى أخيه هى أساس قوة المجتمع، وقوة المجتمع تتيح له أن يستقل عن السلطة، أن يتصرف بما يمليه عليه ضميره وعقله الجماعى بعيدا عن ذلك الجزء منه الذى يحتكر استخدام القوة المسلحة والمسمى بالدولة. وعليه فإن استتباب أية سلطة، خاصة إن كانت فاقدة للشرعية غاصبة للحكم بالقوة، يعتمد على تفتيت ثقة الناس بأنفسهم، على إضعاف المجتمع، وأن تتكون عنه صورة فى خيال كل من أفراده أنه مجتمع ساقط ومنحل، تنتشر فيه الجريمة ويصبح فيه الجنون قانونا مقبولا. الرسالة التى تريد السلطة أن توصلها إليك أخى القارئ، هى أن الشعب المصرى يستمع ويقتنع بما يقوله صاحب قناة الفراعين، ويستمع ويقتنع بأن الدمية القماشية تتآمر عليه. يريدون إقناعك أن الناس معهم، وأن الناس على هذا القدر من الجهل والقبح. إنك حين آمنت بجمال جيرانك، بنبلهم وشرفهم ووعيهم خاطرت بنفسك منذ ثلاث سنوات وفعل مثلك كل من آمنت بهم فانتصرتم معا، ولكنك اليوم حين تفقد إيمانك بالناس وتصدق أنهم يقبلون هذا العته والخبل، ستجلس فى بيتك، وتكتفى باندهاشك، وتغفل عن أن جارك يظن فيك ظن السوء نفسه وما يمنعه من الاعتراض إلا امتناعك أنت.

•••

إن الابتذال فى الفن وفى الثقافة وفى السياسة، حيث تصبح نجمة الرقص الشرقى رمزا من رموز «ثورة» الثلاثين من يونيو، وتصبح أغانيها الراقصة ناطقة باسم برنامجها السياسى، وحيث تؤسس قناة تسمى نفسها بلا خجل قناة الفلول، وحيث تقول نائبة رئيس المحكمة الدستورية إن باراك أوباما عضو فى جماعة الإخوان المسلمين، ليس له غرض إلا إقناعك بكذبة «أن الجمهور عايز كده»، عزيز القارئ، إنك أنت الجمهور وأنت نبيل وقوى وكريم والدليل ما فعلته من ثلاث سنوات.

لقد كان النازيون فى معسكرات الاعتقال، يغيرون القوانين كل يوم، لكى يفقد المساجين ثقتهم فى عقولهم، فإن كانت القاعدة فى المعتقل تقول يوم الأحد بأن من ينظر إلى وجه السجان يقتل، فإن القاعدة تصبح يوم الاثنين أن الذى يشيح بوجهه عن السجان يقتل، فلا يعرف المساجين ما يتوقعون، ويقبلون من السجانين أى شىء. إن ما يفعله بعض أهل الحكم هو محاولة مدروسة، وحرب نفسية، لتفقد ثقتك بنفسك، وبالمنطق وبالناس، فتصبح عجينة فى أيديهم يشكلونك كيف شاءوا، فاحذر ولا تصدقهم وانتصر عليهم.

 

 

 

 

 

 



اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=17012014&id=ad1deaa5-6cf5-4d56-b116-574df30b241a