السباحة في بحر مرسوم على حائط

الشروق

الثلاثاء 4 فبراير 2014 - 11:44 م

 

خطةٌ ذكيةٌ وغبيةٌ في آن واحد هي خطةُ الحاكمين أن يستخدموا أدوات ثورة 25 يناير 2011 ضدها: أن يحتل أنصارهم ميدان التحرير، أيقونة الثورة ورمزها، محميين بالدبابات والأسلاك الشائكة وكاشفات المعادن، وبالغاز والخرطوش والرصاص الحي الموجه إلى صدور مخالفيهم، ثم أن يزعموا أن أنصارهم هؤلاء هم الشعب المصري.

 

لم يكن هذا ممكنا قبل 2011. إن الثورة التي أطاحت بحسني مبارك هي التي أعطت الميدان هذه الرمزية، فمنذ تلك اللحظة المهيبة ارتبط منظر الميدان الملآن في أذهان المصريين وغيرهم بكونه معبراً عن إرادة الشعب. إلا أن ثمة تزويراً هنا: فليس من دخل ميدان التحرير رغماً عن أنوف أجهزة الدولة القمعية والمسلحة وغصباً على عينها في 25 يناير 2011، كمن دخله تحت حراستها ورعايتها. إن امتلاء الميدان اليوم وإن كان يبدو على الشاشات شبيها بامتلائه أيام الثورة هو نقيض ميدان الثورة. ميدان الثورة هو الذي تدخله الجموع رغماً عن نظام الحكم، وميدان الثورة المضادة، هو الذي يمنع النظامُ الناسَ من الاقتراب منه بقوة السلاح ولا يأذن بدخوله إلا لمن أراد. وقد رأينا أمثلة من الناس الذين يحب النظام أن يراهم على منصة ميدان التحرير، ممن يرون في الثورة مؤامرة وفي الدمى والإعلانات رسالات إرهابية، وممن يضعون الأحذية العسكرية على رؤوسهم ويأخذون لأنفسهم صوراً على تلك الحال، وهم كهول لهم أولاد وأحفاد.

 

وحسب إفادة مدير مركز النيل للدراسات الاقتصادية والسياسية أمام مجلس الشورى في 2012 فإن المنتسبين لوزارة الداخلية وحدها يقدرون بحوالي مليون وثلاثمائة وواحد وثمانين ألفاً، ثمانمئة وواحد وثلاثون ألفاً منهم موظفون ومائتان وخمسون ألفاً من جنود الأمن المركزي وحوالي ثلاثمائة ألف من المتعاونين والمخبرين، وإن واحداً أو اثنين في المئة من هذا العدد مع عائلاتهم كاف ليرضي كاميرات السلطة ويوحي بملء الميدان.

 

ولا يقتصر أمر خطف اسم الشعب المصري على خطف الميدان بالقوة المسلحة، فالخطة ذاتها انطبقت على استفتاء دستور 2013، فقد اعتقلت السلطة قادة أكبر تنظيم معارض، وحظرته ووسمته بالإرهاب وقتلت من أتباعه المئات ونشرت أرقام هواتف لوزارة الداخلية كي تتلقى بلاغات عن أعضائه من الناس، وألقت القبض على من اشتبه في احتمال أن يصوت بالرفض على مشروع الدستور حتى وإن لم تكن له علاقة بذلك التنظيم، ثم خرج علينا إعلامها ليقول إن نتيجة الاستفتاء تمثل رغبة الشعب المصري، بل هي تمثل رغبة أنصار السلطة والذين كان مسموحاً لهم فقط دون غيرهم أن يعبروا عن آرائهم.

 

فلا الميدان ميدان ولا الصندوق صندوق، لأنه لا اختيار تحت التهديد.

 

أقول هي خطة ذكية، لأنها تستخدم رموز الثورة ضدها، الحشد في الميدان والاختيار الحر في الصندوق. وهو أمر معتاد في الثورات المضادة، فأكثر الدول والأحزاب الديكتاتورية تجد في اسمها الرسمي كلمة "الديمقراطية"، كالكونغو الديمقراطية أو كوريا الشعبية الديمقراطية أو الحزب الوطني الديمقراطي هنا في مصر. ولكنها خطة غبية أيضاً: إنك تستطيع أن ترسم صورة بحر على حائط لكنك لن تستطيع أن تسبح فيه، ويمكنك أن تصنع صورة لرضا الشعب عنك، بإدخال أنصارك يرقصون في بؤرة الكاميرا وإقصاء خصومك عنها بقوة الرصاص، إنك هكذا تحكم الصورة ولكنك لا تحكم البلد. فإن كنت تظن يا جازاك الله أنك ستحكم بمزيج الرقص والرصاص هذا، فاحكم إن استطعت...يعجبني تفاؤلك!

 

إن وصول العنف في البلد إلى مستويات مجنونة وغير مسبوقة ينذر بعواقب غير مسبوقة أيضاً. وقد كنت كتبت من قبل إن الحرب الأهلية قد لا يتعرف عليها من يراها للمرة الأولى، والحرب الأهلية هي أبشع ما يمكن أن يحدث لبلد، يخسر فيها الجميع بلا استثناء، وربما يكون الاستبداد خيراً منها، إلا إذا كان الاستبداد نفسه هو ما يؤدي إليها. فالاستبداد يحتاج إحدى اثنتين، إما مالاً ليرشو الناس، وهذا الحكم لا مال لديه، أو عدواً يخيفهم ليزعم أنه يحميهم منه. ولما كان الحكم الحالي غير راغب في مواجهة العدو الخارجي الطبيعي: إسرائيل، بل هو ينسق معها عملياته في سيناء، وسياسته الخارجية كلها تتمحور حول اتفاقية السلام معها، فقد يريد أن يفاقم من الخطر الداخلي ليظهر بصورة حامي الناس من إخوانهم وجيرانهم بل ومن أنفسهم، فإن لم يجد في الداخل إلا شباباً أدمنوا الموت في الشوارع كالحواريين، أخترع الأعداء المخيفين اختراعاً. لذلك تراه يراوح بين خطابين متناقضين، الأول يقول بأن البلد في حالة حرب مع عدو داخلي، والثانية تقول بأن البلد محمي ومستقر، وعلى المنطق أن يبحث عن تأشيرة هجرة.

 

إن من يريدونك أن تصدق أن الشعب يحتفل وأنه موحد وأن إرادته الثورية تتحقق، وأن الشوارع خالية من القتلى، هم أنفسهم من يريدونك أن تصدق العكس تماماً، أن في مصر شعبين، واحد طيب وأخر شرير وأن الحاكم يحمي أولهما من الثاني. ويريدونك أن تصدق أيضاً أن دمية قماشية تخطط لتفجيرات إرهابية وأن الفلسطيني أحمد الجعبري الذي قتلته إسرائيل سنة 2012 يخطط لغزو مصر من غزة بعد موته بسنتين، وأن نائب الرئيس المخلوع حسني مبارك اللواء الراحل عمر سليمان لم يمت بل هو في حال غيبة صغرى وسيظهر قريباً ليقود الأمة، وأن إعلانات المشروبات الباردة والمياه الغازية تهدد أمن البلاد وأن رئيس الولايات المتحدة عضو في جماعة الإخوان المسلمين.

 

إن هذه الحال لا يديمها إلا تفرق معارضيها. يقول أخ لأخيه، لقد خنتني مع الخصم أمس فسأنتقم منك وأخونك معه اليوم، والخصم يضحك من كليهما. إن سوء إدارة الأزمة هذا لن يسلم منه أحد. وإن كانت قيادة الإخوان المسلمين أسوأ قيادة في تاريخ البلاد الحديث، فلا بد من أن تكون ثمة قيادة بديلة للمعارضة، وأن تتكون جبهة واسعة لا تقصي أحداً، وتدفع المشهد باتجاه حل سياسي يحترم حقوق الإنسان، ويقضي على أجهزة القمع السياسي قضاء مبرماً، ويُعيد إلى البلاد بعض العقل. إن التصدي لهذا الجنون ضرورة حياة أو موت للبلد ولسلامة المجتمع وبالتالي للاستقرار والاستقلال في المنطقة كلها...وربنا يستر...



اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=04022014&id=2e189e22-05e2-43e6-9208-bfcb779e8b40