مقــــــــــــــام له قبتان

الشروق

الثلاثاء 11 فبراير 2014 - 6:22 ص

 

فى بلدنا، أعنى دير غسانة، فى جبال بنى زيد إلى الشمال الغربى من رام الله، مقام له قبتان لولى من أولياء الله يدعى الخواص، يقول أهل البلد إنه أتى فى زمن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، وإنه كان من المجاهدين معه وبنى لنفسه صومعة على أعلى قمة فى البلد ليتعبد فيها كناسك، ولكى يراقب منها تحركات الصليبيين فى الساحل كمجاهد، وإنه كان يرسل إشارات بالنار والدخان لمجاهدين نساك مثله على رءوس الجبال المجاورة بنوا صوامع كصومعته. لا يوجد بين أيدينا وثيقة تاريخية تؤكد هذه الرواية، ولكن مقام الخواص الباقى إلى اليوم يسمح موقعه الجبلى العالى للواقف عنده أن يرى الساحل الفلسطينى قريبا من يافا، كما أن ثمة مقامات أخرى تشبهه على رءوس الجبال القريبة منه إذا رفع القائمون عند أحدها مشعلا أو راية رآه القائمون عند المقام الذى يليه، فيجوز أن تكون هذه المقامات صوامع لمشايخ متعبدين ويجوز أن تكون أبنية دفاعية لمجموعة من المجاهدين. وقد دخلتُ المقام فوجدت جدرانه مليئة بشعارات التنظيمات الفلسطينية التى ينتمى إليها شباب القرية حيث كانوا فى الانتفاضة الأولى يعتصمون به إذا داهم جنود الاحتلال القرية. ويروى أهل البلد كذلك أن الخواص بنى صومعته بقبة واحدة ثم نام وتنبه من نومه وقد بنت له الملائكة القبة الثانية. ويروى عمى عن جدته أنها كانت تقسم بحقه، فتقول: «لا وحق الخوَّاص اللى نام بقبة وصبَّح بقبتين».

 

•••

 

أما اسم دير غسانة، فيبدو أن ديرا ما كان هناك منذ أيام العرب الغساسنة ما قبل الإسلام، والنبع الأكبر الذى يسقى البلد اسمه عَيْن الدير، ودير غسانة مركز منطقة بنى زيد، ولبنى زيد، وعشيرتنا منهم، قصة بعضها موثق فى الكتب وبعضها مصدره ما تواتر عندهم من تاريخهم الشفهى. يذكر بهاء الدين بن شداد (المتوفى سنة 1234) فى سيرة صلاح الدين الأيوبى، أن قبائل عدة من العرب تطوعوا للقتال معه فى حملته التى فتح بها بيت المقدس وطبرية وعكا والساحل عام 1187 ثم فى مقاومة الحملة الصليبية الثالثة ما بين عامى 1193 و1194 ميلادية، ويبدو أن بعض هؤلاء جاء من المشرق وبعضهم أتى من المغرب حين طلب صلاح الدين من ملك الموحدين المنصور بالله يوسف بن يعقوب بن عبدالمؤمن أن يعينه على الإفرنج، لم يرسل بن عبدالمؤمن الامداد، ولكن عربا خرجوا من بلاده إلى المشرق يقصدون الجهاد. وقد كان الصليبيون بعد كسرتهم فى حطين عادوا بقيادة ملكى أنجلترا وفرنسا ودوق النمسا ليسيطروا على السهل الساحلى فأخذوا عكا وقيسارية وأرسوف ويافا واستمروا بالسير نحو عسقلان، ولكنهم عجزوا عن الانعطاف شرقا نحو القدس والمناطق الجبلية فى الداخل الفلسطينى لأن صلاح الدين كان يحاذى جيوشهم فى تشكيل دفاعى على خط مواز ممتد على جبال فلسطين الشرقية تلك والتى تسمى اليوم بالضفة الغربية لنهر الأردن، وهو ما يتفق مع وجود هذه الصوامع والمقامات، التى تشبه المَراقب الدفاعية على رءوس الجبال وتشرف على الساحل، وبعضها ليس فيه قبر ظاهر.

 

فلما انسحب الإفرنج بلا طائل، أقطع صلاح الدين 19 قرية فى هذه الجبال لبنى زيد، وهم قوم من العرب الذين قاتلوا معه فسميت الجبال باسمهم إلى اليوم. وأهل البلد من بنى زيد يرجعون نسبهم إلى عمر بن الخطاب، فهم قرشيون عدويون، ويروون أنهم ظلوا فى الحجاز حتى أوائل العهد الأموى، ثم انحازوا لعبدالله بن الزبير ضد عبدالملك بن مروان فخرجوا بعد مقتله من الحجاز إلى مصر، وقد كانت تحت حكم عبدالعزيز بن مروان أخى عبدالملك لأنه كان ألين جانبا منه، ثم رحلوا من مصر إلى تونس فى عهد الشدة أيام أبى تميم معد بن على المستنصر بالله الفاطمى مغربين مع القبائل العربية الأخرى التى غزت القيروان، ثم عادوا من تونس إلى المشرق بعد زوال الدولة الفاطمية على يد صلاح الدين، واستوطنوا الشوبك فى الأردن، حتى أسكنهم صلاح الدين فى هذه الجبال التى سميت باسمهم. كما يروى أهل البلد أن صلاح الدين أسند إليهم حراسة باب من أبواب القدس يدعى باب الداعية أو باب الحديد، وأنهم كانوا لفترة جباة وقف الصخرة المشرفة فى الحرم القدسى، وأن السلطان الظاهر بيبرس وسع إقطاعهم من 19 قرية إلى 48 قرية وضم إليهم حكم قلعة مجدل يافا على طريق الرملة، والثابت أنهم ظلوا إقطاعيين حتى أواخر العصر العثمانى، إقطاعاتهم الجبلية فى المناطق الممتدة بين نابلس والقدس، وإقطاعاتهم الساحلية فى جوار يافا. واليوم تتبع دير غسانة وجميع بلاد بنى زيد قضاء رام الله، ويكفى أن يكون اسم بلدك رام الله لتطرب.

 

•••

 

أكتب هذا الكلام تحت وطأتين، الأولى هى البعد، فأنا لم يتح لى أن أزور دير غسانة ورام الله منذ أربع سنوات وستة أشهر وثمانية أيام عند كتابة هذا المقال، أخذنى فيها الشأن المصرى، والثانية أننى كلما كتبت فى الشأن المصرى، ظن بى البعض بعدا عن الشأن الفلسطينى، وهاج على البعض الآخر فى مصر قائلا لى هذه ليست بلادك فلا شأن لك بها. يا سادة، أنا من أناس هذه بلادهم وهذه أنسابهم، أو هذه هى صورتهم عن أنفسهم على الأقل، خرجوا من الحجاز إلى مصر إلى تونس إلى الأردن إلى فلسطين، عاشوا فى الحجاز حتى عهد عبدالملك وفى مصر من عهد عبدالعزيز بن مروان إلى عهد المستنصر وفى تونس من عهد المستنصر إلى عهد صلاح الدين وفى فلسطين من عهد صلاح الدين إلى يوم الناس هذا، فتراب هذه البلاد كلها من أجساد أجدادهم، فهل تظنون من الممكن لمثلى أن يعترف بهذه الخطوط الملونة التى رسمها الإنجليز والفرنسيون على الخرائط وألفتم لها الأغانى الركيكة وسميتموها أناشيد وطنية، ووضعتم حولها أسلاكا شائكة وضباط جوازات برتب وأختام ورفعتم عليها قماشا ملونا وسميتمونها دولا؟ وهى معسكرات اعتقال كبيرة وأجهزة أمن متضخمة تزخرفها بضع وزارات أخرى لا تفعل إلا أن ترشو موظفيها بمرتباتهم حتى يسكتوا عن الذل؟ وما اتفاقية لندن عام 1840 بأفضل من اتفاقية سايكس-بيكو من بعدها.

 

•••

 

أقول إن الثورة المصرية شأن فلسطينى كما أن كل القضية الفلسطينية شأن مصرى. إن نظاما عنصريا معاديا خاض مع مصر أربع حروب كبرى وحرب استنزاف يمتلك سلاحا نوويا يستطيع به أن يمحو القاهرة بملايين سكانها من على الخريطة بضغطة زر، ولا تملك مصر لردعه إلا سلاحا أمريكيا تشتريه ولا تصنعه، فنتيجة أية حرب بين مصر وإسرائيل والحال هذه تحددها واشنطن، أى تحددها تل أبيب. وحكام مصر يظنون أن مداهنة إسرائيل والإبقاء على اتفاقية السلام معها، بل ومحالفتها والتعاون معها أمنيا وعسكريا ضد الفلسطينيين فى غزة التى يجوعونها من سنين وضد المصريين فى سيناء التى يهدمون بيوت أهلها على رءوسهم، سيكفيهم شرها، وينسون أن إسرائيل مولت انفصال جنوب السودان وبناء السدود فى إثيوبيا لتعطيش مصر فى زمن حسنى مبارك حليفها الأوفى وكنزها الاستراتيجى. إن إسرائيل تريد مصر ضعيفة مهما كان من يحكمها لطيفا معها لأن حكامها على عكس حكام مصر لا يأمنون الدهر ولا مكر الشعوب المظلومة. فإن كان نجاح الثورة المصرية، والخلاص من التسليح الأمريكى ومن كامب ديفيد معا، ضرورة لتحرير فلسطين، فإن السعى لتحرير فلسطين ضرورة لا لتحرير مصر فحسب، بل لبقاء سكانها على قيد الحياة أصلا، ولا يجادل فى كون إسرائيل تهديدا للأمن القومى المصرى إلا مخطئ.

 

أما أنا، فكلما لقيت وجوه الفلول هنا ممن يظنون البذاءة مهارة نادرة، تذكرت قبة الخواص، والقباب المتتالية فى شارع المعز لدين الله الفاطمى كالقوافى، وتذكرت أن أحد أجدادى لا بد كان يمشى فى شارع المعز قبل المستنصر، ثم ورد على تونس ثم عاد ليسكن ذلك الجبل العالى فى فلسطين، القصيدة المبنية أبياتها من حجر وأعشاب، وقبة بناها الناس، وأخرى يقول الناس إن الملائكة بنوها، تملؤها كتابات الفدائيين. هذه بلادنا، ولا جوازات سفركم ولا أختام حدودكم ولا رتب جنرالاتكم ولا دبابات حلفائكم الإسرائيليين، تقدر أن تغير هذه الحقيقة.



اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=11022014&id=256d4de0-969b-427a-8cff-deb03c8a0dd5