عن التمر واللوز والحرب

الشروق

الثلاثاء 6 أبريل 2010 - 10:21 ص

فى ربيع عام ألفين وأربعة نشرت بعض وسائل الإعلام الأمريكية أخبار حادثة وقعت بالعراق، فيها أن مجموعة من جنود الاحتلال الأمريكيين انبطحوا أرضا فى سوق من أسواق الخضرة وكادوا يطلقون النار على الناس لأن طفلا عراقيا رماهم بثمرة باذنجان. ظن الجنود أن الباذنجانة ستنفجر فيهم، فاتخذوا وضعا قتاليا فضحك أهل السوق.

لم يكن الجنود تحت أى تهديد حقيقى، فلم يكن العراقيون توصلوا بعد إلى اختراع باذنجان منفجر تنبته الأرض ويباع على العربات، ولكنهم، أى الجنود، كادوا يرتكبون مذبحة من خوفهم، أما أهل السوق، وهم لا سواهم المهددون تهديدا حقيقيا بالمذبحة، وقفوا يضحكون، وعادوا إلى شراء الخضرة.

وفى عام ألفين وسبعة كنت أقطع الجسر بين الأردن وفلسطين، وقد كان جنود الاحتلال سيطروا على جميع المعابر إلى الأرض المحتلة من بدايات الانتفاضة الثانية عام ألفين. وجنود الاحتلال هؤلاء مراهقون ومراهقات فى الثامنة عشرة من أعمارهم، يتحكمون فى شعب كامل يروح ويغدو بين الضفة الغربية والعالم عبر الأردن، منهم الكبير والصغير والجدات بطرحاتهن البيض وأثوابهن المطرزة والرجال بالكوفيات والعُقُل، والشباب الداهنون رءوسهم وغير الداهنين، والأطفال الصاخبون بين الكراسى والنائمون على أكتاف ذويهم. 

وأنت إذا دخلت إلى مبنى الحدود تسلم أوراقك للجنود ثم تنتظر أن ينادوا باسمك وهم إما أن يدعوك للتحقيق أو يسمحوا لك بالدخول. وفى ذلك الانتظار جلست أمامى جدتان كبيرتان، بحيث أسمع حديثهما، قالت إحداهما للأخرى: «لماذا يؤخرونك، هل أحضرت معك ما يثيرهم؟» فقالت الأخرى: «لا والله ولكن أحضرت معى تمرا من العمرة» وكنا فى رمضان، 

فسألتها صاحبتها: «هل التمر محشو باللوز أم غير محشو؟»، فضربت المعتمرة بيدها على جبينها كمن تذكر بعد نسيان وقالت: «لا إله إلا الله، التمر محشو»، فقرعتها أختها وقد اكتشفت العلة فى التأخير: «سامحك الله، الآن سيظنون باللوز شرا، وأنك أدخلت فى التمر ما ليس منه، فلا حول ولا قوة إلا بالله ليطولن انتظارك على الجسر يا أم فلان». ورغم انزعاجى لأن يوم أم فلان على الجسر سيطول ومعها يومى ويوم الآخرين الذين لن ينظر الجنود فى أمرهم إلا بعد تحققهم من نوايا اللوز وانتماءاته السياسية، إلا أننى تبسمت لإدراكى أن إسرائيل تخاف من التمر باللوز كما تخاف الولايات المتحدة من الباذنجان، 

كل محتل جبان ولا شتيمة، ولكن أشير إلى ضرورة استراتيجية بنيوية لا يكون الاحتلال احتلالا إلا بها. لا يكون الغزاة غزاة إلا إذا كانوا أجانب غرباء، وأهل البلد المغزو أكثر أعدادا وأمدادا من غزاتهم على كل حال، ولا يقعون فى أسر مالكيهم إلا لسوء إدارتهم لتلك الأعداد والموارد، وكأنهم كانوا غافلين عما لسوء الإدارة هذا من العواقب.

فإن وقعت واقعة الغزو أدركوا، والصياح فى دورهم والسيوف على نحورهم، عاقبة الغفلة فى أيام السلم، وعلموا أنها ترف لا يملكونه، فالغزو يخلق المقاومة خلقا كما يخلق الفعل رد الفعل. والغازى أدرى بهذا من غيره فحياته، أعنى حياة جنوده حقا لا مجازا، فى خطر داهم، وهزيمته بنت نصره ونتيجته الحتمية، فجبنه جبن استراتيجى، وخوفه حكمة لا يتركها ولا تتركه. أما أهل البلاد، فهم الغريق فلا يخشى من البلل، وإن خشى فلن ينفعه.

إن جزءا كبيرا من تكاليف الحرب الأمريكية على كل من العراق وأفغانستان تصرف على شركات التأمين، فحياة المواطن الأمريكى، الخالية من بلل المصائب فى مروج فرجينيا وكارولينا الشمالية غالية عليه، والعاملون على خدمة الجيش الأمريكى من مرتزقة عسكريين وأمنيين ومن دبلوماسيين وموظفى مخابرات وإداريين ومهندسى مدن ومخططين، سواء كانوا أفرادا أو شركات، يكلفون الاقتصاد الأمريكى أموالا باهظة على سبيل التأمين ما إن يعلموا أنهم ذاهبون إلى العراق، بل ربما ارتفعت تكاليف التأمين ما إن يعلموا أن ثمة احتمالا ولو ضئيلا أن يذهبوا. إن لكل شىء فى الولايات المتحدة ثمنا حتى الخوف، فمنهم من يخاف بألف ومنهم من يخاف بألفين. 

وغزاة الجوع يختلفون عن غزاة الطمع، لم يكن المغول يخافون على مقاتليهم، فهم يختارون بين كنوز بغداد وعنز أمهاتهم يرعونها فى سهل لا سهل فيه. أما غزاتنا الجدد، فهم غزاة دولة الرفاهية، يستسهلون القتل ويستصعبون الموت، يستسهلون القتل لأن حياتهم أجمل من أن يكدرها إحساس مطول بالذنب، التاركون آباءهم فى دور المسنين للموت البطىء لن يشفقوا علينا من الموت المعجل، لكنهم يحبون الحياة، والحرب لا توفر لهم ما ألفوه منها فى بلادهم. 

وقد بثت قناة السى إن إن فى أواخر عام تسعين حوارا قصيرا مع أحد الجنود الأمريكيين المحشودين فى حفر الباطن لحرب العراق الأولى، فسأله المحاور فيم يفكر معظم الوقت، قال فى البيتزا والبيرة. وأذكر أن إيصال الشوكولاتة إلى الجنود الأمريكيين فى تلك الحرب كان موضع حديث فى بعض وسائل إعلامهم لأنها تذوب من حرارة الجو، فكان لا بد من اختراع شوكولاتة لا تذوب. 

وليس الإسرائيليون بأفضل حال، فإسرائيل أنشأت مأمنًا لليهود عندما تعرضوا لمجازر فى أوروبا، ولكن إسرائيل اليوم هى أخطر بقعة على اليهودى، فشوارع برلين ووارسو اليوم أوفر أمانا وأشمل إحسانا على اليهودى من القدس والناصرة.

لا أحاول هنا أن أقلل من شأن القدرة القتالية للقوات الغازية بلادنا، فنحن أدرى الناس بها وأكثرهم معاناة لها، ولكن أريد القول إنهم، على الرغم من قدرتهم على دخول بلادنا بسهولة نسبية، غير قادرين على البقاء فيها بنفس السهولة، وإن كانوا أتوا بزعمهم لحماية أمنهم، فإنهم لن يأمنوا هنا، وإن كانوا أتوا بزعم غيرهم ليكسبوا من وراء الغزو نهبا، فها هم أفلسوا، فكانوا كاللص يستأجر من يحميه بما سرق، فلا تكفيه سرقته ولا يحميه المرتزق.

اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=06042010&id=40c93235-138e-49a1-8eaf-d3a235bc1a7b