عدوة نفسها

الشروق

الثلاثاء 8 يونيو 2010 - 9:54 ص

بلغتنى شهادات بعض المشاركين فى أسطول الحرية، وتذكرت وأنا أسمع وأقرأ خبرا أورده بهاء الدين بن شداد، مؤرخ صلاح الدين الأيوبى عن واقعة حدثت اثناء حصار الفرنجة لعكا أيام الحملة الصليبية الثالثة، فقد كان الفرنجة بعد هزيمتهم فى حطين قد خرجوا من صور، وهى آخر ما تبقى لهم من مدن الساحل لمحصارة عكا برا ثم أطبقوا عليها الحصار بحرا بأساطيل إيطالية جاءت لنجدتهم. 

فكان عسكر صلاح الدين يضرب طوقا على شكل هلال إلى الشرق من القوات الفرنجية التى كانت بدورها تضرب طوقا على المسلمين فى عكا، وكانت هناك محاولات عدة لكسر الحصار المفروض على المدينة، حتى إن بعض اللصوص المسلمين كانوا يدخلون ليلا إلى خيم الفرنجة ويخطفون جنودهم ويأتون بهم إلى معسكر صلاح الدين، وفى البحر كان أهل الجليل يتطوعون لإيصال الرسائل والمال إلى الحامية الإسلامية فى عكا بالسباحة ليلا تحت سفن الفرنجة وإطلاق الحمام الزاجل من داخل المدينة إلى صلاح الدين يبلغونه بأخبار الحامية. 

قال بن شداد:
ومن نوادر هذه الوقعة ومحاسنها، يعنى نوادر ما جرى فى القتال على عكا، أن عوَّاما مسلما كان يقال له عيسى، كان يدخل البلد بالكتب والنفقات على وسطه ليلا على غرة من العدو،وكان يغوص ويخرج من الجانب الآخر من مراكب العدو. وكان ذات ليلة شدَّ على وسطه ثلاثة أكياس فيها ألف دينار وكُتُبٍ للعسكر، وعامَ فى البحر، فجرى عليه أمر أهلكه، وأبطأ خبره عنَّا (أى عن معسكر صلاح الدين والكلام لابن شداد)، 

وكانت عادته إذا دخل البلد طار طائر عرفنا بوصوله، فأبطأ الطائر، فاسْتُشْعِر هلاكه، فلما كان بعد أيام بينا الناس على طرف البحر فى البلد وإذا البحر قد قذف إليهم ميتا غريقا، فافتقدوه، فوجدوه عيسى العوام، ووجدوا على وسطه الذهب ومُشَمَّعَ الكتب. وكان الذهب نفقة للمجاهدين، فما رُئى من أدى الأمانة فى حياته وقدر الله له أداءها بعد وفاته إلا هذا الرجل، وكان ذلك فى العشر الأواخر من رجب أيضا. (انتهى كلام ابن شداد).

ذكرت هذه الوقعة لأن الشهداء الأتراك كسروا الحصار عن غزة باستشهادهم، وأدوا الأمانة بمماتهم كما لم يؤدها عشرون حاكما عربيا فى حياتهم. وقد شاركوا الفلسطينيين تاريخهم،فأصبحوا فلسطينيين. «لأن المصائب يجمعن المصابين». إلا أن إسرائيل، ككل ظالم، عدوة نفسها. ولم تكن هذه المجزرة إلا تعبيرا عن هويتها. فالمذابح بصمة إسرائيل تعرف بها من بين الأمم، لها طريقتها وتوقيعها. ولا أحاول هنا البلاغة ولا المبالغة. 

فإن المذبحة الأخيرة التى ارتكبتها إسرائيل فى عرض البحر تتطابق فى بنيتها مع مجازر إسرائيل الأخرى منذ عام ثمانية وأربعين. وللمجزرة فى العرف الإسرائيلى مراحل، تبدأ بمطالبة الضحايا بالاستسلام، ثم بالهجوم الذى يعقبه دفاع الضحايا عن أنفسهم، ويقع القتل الأول فى هذه المرحلة،على أن أكثر القتل يأتى لاحقا، ثم مرحلة الأسر حيث يؤخذ كل من بقى حيا، ثم يفرزون، ويكون مع الإسرائيليين قوائم فيها أسماء للمطلوبين أو المعروف عنهم دورهم فى المقاومة، 

ثم تبدأ المرحلة الثانية من القتل، وهى الانتقام والإعدامات، فيقتل الإسرائيليون بدم بارد من كان يقاومهم، ومن عرفوه من المطلوبين لديهم، ثم كل من راق لهم أن يقتلوه. ومن قرأ مذابح دير ياسين، وقبية، والسموع، والطنطورة، إلى مذابح جنين وغزة يجد هذه المراحل كما هى. وعند أقاربى من أهل دير غسانة خبرة تقول بأن الجنود يختارون للقتل من أعجبهم من الشباب أكثر ممن لا يعجبهم، فإن كان ثمة شاب وسيم أو قوى البنية أو مميز بأى شكل، ضموه إلى من يقتلون.

وفى هذه المجزرة الإسرائيلية الأخيرة، قامت إسرائيل بهذه المراحل، فبناء على شهادات بعض من كانوا على السفينة، وهى شهادة عيان يمكن لمن شاء مراجعة أصحابها، فإنهم بدأوا إطلاق النار قبل النزول إليها من المروحيات، والمشاهد التى رآها الناس لركاب السفينة يهاجمون الجنود بأيديهم كانت ردة فعل على إطلاق نار سبقها. 

وقد قاومهم الناس بأيديهم العارية وبالكراسى وبخراطيم المياه التى كانت على متن السفينة، مما أفشل محاولة للجنود أن يصعدوا إليها من القوارب، فتدلوا عليها من المروحيات كما شاهد الناس على الشاشات. ثم بعد سيطرة الجنود عليها بدأت مرحلة الفرز، وكان الجنود على علم بأسماء الناس وعلى أى السفن هم، فلما نزلوا إلى السفن وقفوا يقرأون الأسماء ويوقفون من أرادوه جانبا إما ليحفظوه أو ليقتلوه.

وفى هذه المرحلة أعدم شيخ تركى لكونه يشبه الشيخ رائد صلاح مؤسس الحركة الإسلامية فىما وراء الخط الأخضر. وفى هذه المرحلة أيضا أعدم الشاب التركى فرقان دوغان على القاعدة المذكورة أعلاه، وقد وجدت فى جسمه أربع رصاصات مطلقات عن قرب.

لقد أصيب أحد الركاب، وهو شيخ عربى كبير السن برصاصة مطاطية فى عينه، فرفض الجنود توفير العلاج له، حتى ازرقت عينه ثم سقطت من رأسه، وعندها فقط عالجوه، وقد سمع الناس شهادته على شاشات التلفزة، فقد كان ممن خرج إلى الأردن. 

ولكن من بنية المجازر الإسرائيلية أيضا، ككل عمليات القتل، أنها تقصر عمر القاتل، والعاقل فى إسرائيل يدرى، إن كان فى إسرائيل عاقل، أن كل قتيل يصاب فى هذه الحرب الممتدة منذ ستة عقود، يقلل أيام إسرائيل ويجعل نهايتها أوضح وأفدح. هذه المرة قتل الإسرائيليون أتراكا، بشرا مدنيين كراما خاطروا بأنفسهم من أجل أطفال وشيوخ لا يعرفونهم.

وقد حاول بعض أنصار إسرائيل فى الإعلام العربى أن يقللوا من أثر هذه الواقعة على موقف تركيا، ثم على ميزان الصراع فى المنطقة. وأنا أزعم أن القوم قد كسروا الحصار باستشهادهم وأدوا أماناتهم كاملة فى الحياة وفى الممات. ولا أقول إنهم أنهوا الحصار فقط، بل أطلقوا سلسلة من الأحداث لن تلبث أن تؤدى إلى هزيمة إسرائيل. 

هزيمة نهائية تتكون من عدد من الهزائم الصغيرة، بدأت ربما بحرب ألفين وستة على لبنان، وعززت بفشل إسرائيل فى تحقيق أهدافها من حرب غزة عام ألفين وثمانية، بل ربما بدأت قبل ذلك مع انهيار حاجز الخوف من إسرائيل فى الانتفاضتين، أو ربما هى هزيمة بدأت منذ عام ثمانية وأربعين لأن تأسيس إسرائيل نفسه فى منطقة صفاتها الديمغرافية والثقافية كصفات منطقتنا كان محكوما عليه بالفشل.

على أى حال، أقول إن الموقف التركى الغاضب من إسرائيل لن يلين، لا لأن الأخلاق والثقافة والطبيعة البشرية السوية تملى على إخواننا الأتراك ذلك فحسب، بل لأن هناك أسبابا سياسية محضة. فداخليا تواجه الحكومة التركية تحدى التغلب على العناصر الانقلابية فى الجيش والمحكمة الدستورية، وهما الطرفان اللذان كانا يزيحان الحكومات الإسلامية المنتخبة فى تركيا من قبل. فقامت هذه الحكومة بتقديم تعديلات دستورية إلى مجلس الشعب ليصادق عليها، تقضى بإخراج حل الأحزاب السياسية من اختصاص المحكمة الدستورية، كما قدمت مجموعة من ضباط الجيش للمحاكمة بتهمة التآمر للانقلاب عليها. 

ولهذه الحكومة سلاحان تعتمد عليهما فى معركتها تلك، أولهما زيادة شعبيتها بين مناصريها، بما يجعل عقبى الانقلاب العسكرى وخيمة أمنيا، وبما يفرغ الانقلاب القانونى من جدواه، لأن زيادة شعبية حزب العدالة والتنمية تعنى تشكيل حزب مماثل له إذا حلته المحكمة،وثانيهما الدمج بين الخطاب الإسلامى والخطاب القومى التركى فلا يتناقضان، فهذا يعنى تحويل العناصر القومية فى الجيش وفى بعض الأحزاب السياسية من خصوم محتملين للحكومة الإسلامية إلى حلفاء طبيعيين لها. 

وما صنعه رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان منذ حرب غزة إلى هذه المذبحة هو ما لم يفعله الكثير من الحكام العرب، فقد دمج بين القضية الفلسطينية وكرامة تركيا، فأصبح استمرار إسرائيل فى حصارها لغزة وانتهاكها للقوانين الدولية عدوانا على الأتراك. 

فلما وقعت واقعة السفينة اتشحت هذه السياسية بالدم، حيث تبرعت إسرائيل، بغبائها المعهود، بتوحيد القضيتين دما وشهداء، فبعد أن كان العدوان على الفلسطينيين عدوانا معنويا على الأتراك،أصبح عدوانا عمليا قتلت فيه إسرائيل مواطنين أتراكا عزل من السلاح ليس لهم إلا شجاعتهم وشرفهم وتاريخهم وأيديهم العارية يردون بها رصاص الجنود.

وعليه، فإن الوضع السياسى الداخلى فى تركيا يفرض على القيادة التركية التمسك برد كرامتها، وقد أعلنت أن رد كرامتها إنما يكون برفع الحصار. ورفع الحصار يعنى تقوية حماس سياسيا فى فلسطين، فالحصار كان السلاح الوحيد الذى تستخدمه كل من مصر وسلطة رام الله للضغط على حماس وإرجاع فتح إلى غزة. أما إذا ارتفع فإن ذلك لن يكون، بل الأوجه أن تتم المصالحة الفلسطينية بشروط المقاومة لا بشروط المسالمة.

لأن الحال فى رام الله أسوأ منه فى غزة لولا الحصار، ففى الضفة مستوطنات، وقتل يومى، وجدار ومداهمات، ولا يوجد فى غزة شئ من هذا، إنما هو الفقر، فإن ذهب الفقر أصبحت لغزة الكفة الأرجح وتوحد الفلسطينيون على أساس المقاومة لا المفاوضات، وذلك يكون إما بتغيير حكومة رام الله لمواقفها أو بتغيير حكومة رام الله والسلام. 

فإذا انتهت عملية السلام المملة المتعبة الفاشلة التى لم نجن منها إلا جثثا وضرائب وانقساما وتعذيب الإخوة بعضهم لبعض فى السجون بينما جنت منها إسرائيل وقتا ومستوطنات، فإن بديلها عاجلا أو آجلا هو حرب عصابات ممتدة بيننا وبين إسرائيل، وهذه تخسرها إسرائيل عادة، بل إنه منذ عام خمسة وأربعين، فى غير الحروب الأهلية، لم ينتصر جيش نظامى على جماعة مسلحة فى حرب عصابات قط.

إن تركيا، بتحركها الحثيث لمعسكر معاداة إسرائيل، إنما تنضم لحلف يزداد اتساعا فى المشرق، فإيران وسوريا ولبنان فيه، والعراق منجذب شرقا لا محالة لأسباب ديمغرافية وعسكرية، خاصة إذا تركه الأمريكان العام المقبل، وهم تاركوه. والأردن، وإن كان من محبى السلام، فإنه بات يبتعد عن إسرائيل، لغباء هذه الأخيرة، فهى ما برحت تهدده بخطة الوطن البديل وبتهجير آلاف الفلسطينيين إليه، ووصل الأمر إلى مناقشة خطة الوطن البديل فى الكنيست، وإصدار الحكومة الإسرائيلية قرارا بطرد عشرة آلاف فلسطينى من الضفة إلى الأردن.

لم يبق إذن إلا مصر، وما أدراك ما مصر. إن الحكومة المصرية اليوم هى أقرب لإسرائيل من غيرها فى المنطقة، نعم لقد فتحوا المعبر، وهو خير، لكن الموقف العام للحكومة المصرية يصب فى مصلحة إسرائيل أكثر من مصلحة مصر، ولو أن الحكومة المصرية قبلت بمنطق مقاومة إسرائيل لاستعادت موقعها القيادى فى المشرق، يميزها موقعها الجغرافى حتى عن إيران وتركيا، أما إن لم تقبل فلن يكون مستغربا أن نجد فى إسرائيل من يعتبرها حليفة وبين العرب والمسلمين من يعتبرها خاذلة له عاملة ضده.

وبالعودة لمثال الحروب الصليبية، فإن القدس لم ترجع إلا بعد عزل الوزير شاور، صاحب القاهرة، الذى كان يتحالف مع الغزاة، فما لبث أن انقلب عليه الغزاة، واحترقت القاهرة كلها بسبب سياساته.


اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=08062010&id=94559155-3a81-4a69-8315-de27cb91506e