عن مذاهب الكلام

الشروق

الثلاثاء 17 أغسطس 2010 - 2:17 م

يروى أن رجلا حلف على امرأته بالطلاق أن الحجاج بن يوسف الثقفى فى النار، ثم أرادها، فقالت لا والله لن تمسنى، قال ولِمَ ذاك؟، قالت، قد علَّقت طلاقى على ما لا تعلم، فليس أمر الجنة والنار بيديك، ورحمة ربك واسعة فربما أدخل الله الحجاج الجنة فتنفذ يمينك فأحرم عليك، فأُرتِجَ على الرجل، فكيف له أن يعرف يقينا إن كان الحجاجُ فى النار فتظل امرأته على ذمته ويغشاها، أم أن الله سبحانه وتعالى رحم بن يوسف وأدخله الجنة فتنفذ يمين الطلاق وتحرم عليه امرأته. 

فأخذ الرجل مسألته إلى قاضى البصرة وفقيهها الحسن البصرى، وقال له أفتنا يا مولانا فى أمر لا نرى منه والله مخرجا، حلفت على امرأتى بالطلاق أن الحجاج بن يوسف فى النار ثم أردتها فأبت وقالت علَّقتَ الطلاق على ما لا تعلم، فأنا اليوم عَزَبٌ أم متزوج؟

فأجابه الحسن على البديهة، اذهب يا ولدى واصنع بامرأتك ما تشاء، قال الرجل وكيف ذاك؟ فقال الحسن: والله لئن لم يُدخلِ الحجاجَ النارَ فعلُه، فلن يُدخِلَك النارَ زناك!

إن هذه القصة على ما فيها من خفة إلا أنها تبين صراعا بين مذهبين كلاميين ظهرا فى أيام الأمويين واستمرا ليشكلا قوام الجدل الفلسفى والأخلاقى والسياسى بين المسلمين فى صدر الدولة العباسية. فمذهب المرأة أقرب إلى الإرجاء، وهو القول بأن حساب المؤمن يكون يوم الحساب، وأنه لا يجرى فى ملك الله أمر إلا بما أراد، فالأمر إن كان فقد أراد الله أن يكون، وعليه فله حكمه فيه ولا يحق للعبد أن يحكم على أخيه وإن ارتكب الكبيرة، لأنه لم يرتكبها إلا قدرا من خالقه مقدورا. 

وعليه فإن الحجاج بن يوسف، والى العراق والمشرق لعبدالملك بن مروان ثم للوليد بن عبدالملك بعده، قد يدخل الجنة حتى وإن سفك من دماء المسلمين ما سفك، وهو قاتل سعيد بن جبير القارئ، وهو من كان يأمر الناس بضم حِزَمِ القصب الراشحة بالزيت ثم يشعلها بهم، وهو من ضرب الكعبة بالمجانيق وصلب عبدالله بن الزبير بن العوام وابن أسماء بنت أبى بكر الصديق. ذلك لأن المرجئة يرون أن هذا كله إنما جرى لحكمة سابقة فلا يثاب العبد ولا يعاقب إلا من قبل مولاه، وهم القائلون بأنه لا تضر مع الإيمان معصية ولا تنفع مع الكفر طاعة.

أما مذهب الحسن فقد سمى أهله أولا بأهل العدل والتوحيد، ثم لما اعتزل واصل بن عطاء مجلس الحسن تغير المذهب بعض الشىء وسمى أصحابه بالمعتزلة، والقول عندهم بأن العدل من أسماء الله الحسنى وأنه حرَّم على نفسه الظلم ونفاه، وعليه فإن الإنسان مسئول عما يفعل من ظلم، فهو يأتيه مختارا لا مجبرا وهو خالق أفعاله، ثم قالوا إن القول بمسئولية الإنسان لا تعنى أن إرادته تعلو على إرادة خالقه، بل إن الخالق أراد للإنسان أن يريد، وسمح له سماحا أن يختار، ليكون هناك محل للتكليف والاختبار، لأن الإنسان إن كان مجبرا على الدوام لما كان هناك محل لجنة ولا نار. وأساس هذا المذهب أن للعقل أولوية فى الحكم على ما هو حسن وما هو قبيح وللبشر أن يحكموا على المخطئ فى الدنيا ولا يرجأ أمره إلى الآخرة. 

وعليه فإن الحسن، وإن كان لم يجزم بدخول الحجاج النار، إلا أنه قال إن ذنب الحجاج أكبر من ذنب الرجل لو كان أتى امرأته على طلاق، فإن دخل الحجاج الجنة فلا بأس على من كان ذنبه أخف ميزانا. ذلك حكم عقلى بشرى إلا أن الحسن رآه نافذا غير معارض للحكم الإلهى، فكأنه يقول إن العقل البشرى مأمور بفهم الحكمة الإلهية، ولا يجوز أن يؤمر بها وهو عاجز عنها، فالعقل قادر على فهم الحكمة وما خالف العقل فليس بحكمة. وبنى على ذلك أن من ارتكب كبيرة كالقتل، حكم عليه بالنار ولو كان أميرا أو سلطانا، وجاز للناس أن يمتنعوا عن طاعته. 

لايزال هذا الحوار دائرا بين المسلمين إلى يوم الناس هذا وإن كانوا لا يسمونه باسمه، ومما دعانى لهذه الإشارة السريعة إلى أمر المذاهب، أننا فى شهر تكثر فيه البرامج الدينية التى تؤكد أهمية العبادات فى الحياة اليومية، وليس فيها ما يشير من قريب ولا بعيد إلى تراثنا الغنى فى علم الكلام هذا، الذى ينبنى عليه فى مجال المعاملات الاجتماعية والحركات السياسية ما ينبنى.

فأكثر حكامنا صائمون مصلون، ولكنهم يتركون البلاد نهبا والعباد عيالا على غزاتهم. وأكثر المحكومين صائمون مصلون، ولكنهم يطيعون من لا خير فى طاعته، ثم يعجب الطرفان أن كانت صلاتهم وصيامهم لا ترد عنهم غزوا ولا فقرا، وأن الظلم فيهم أفشى من الحر فى المجمرة.


اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=17082010&id=d9d9636b-3731-45ba-8fa4-d011f7f7e71b