المؤيـد والمجمع

الشروق

الثلاثاء 31 أغسطس 2010 - 9:47 ص

زارنى فى القاهرة بعض الأصدقاء من خارج البلاد، وهم لم يكونوا زاروها من قبل إلا صغارا فلا يعرفونها. واكتشفت بتجوالى معهم أن معرفتى بها لا تكتمل أبدا وأننى لا أكتفى منها أبدا. وقبل أن يغضب منى القارئ ويظننى أكتب موضوعا إنشائيا عنوانه «مدينتى الجميلة» أو «القاهرة عروس النيل» وما شابههما من المواضيع التى كان معلمونا فى المدارس الإعدادية يجبروننا على كتابتها قهرا وعدوانا وزورا وبهتانا، أقول قبل أن يظن القارئ بى السوء، أنبهه بأن مرادى هو الغضب لا المديح.

الجمال فى بلادنا يدعو إلى الغضب، الغضب له لا منه، فجمال القاهرة معتدى عليه كأنه من ذنوبها. إن القاهرة كما تعلم مدينة بناها الفاطميون فى القرن العاشر الميلادى، وقد بنيت عاصمة لمصر بعد ثلاث مدائن سبقتها فى العصر الإسلامى، الفسطاط والعسكر والقطائع. ثم تمددت القاهرة فشملت أمهاتها، وبقيت القاهرة عاصمة الأقاليم المصرية وقاعدة ملك البلاد أيام الأيوبيين ثم المماليك ثم العثمانيين إلى عهد محمد على باشا. وفى عهد إسماعيل تعرضت القاهرة لخيانة معمارية هى ما يسمى اليوم بوسط البلد. أراد إسماعيل أن يبنى باريس على النيل وأن يقص مصر بمقراض ضخم فيعزلها عن أفريقيا، ثم يأتى بأنبوب صمغ أضخم ويلصقها بأوروبا. بنى إسماعيل ما عرف لاحقا بأحياء وسط البلد المتفرعة من ميدانه، ميدان الإسماعيلية سابقا والتحرير حاليا، تلك كانت عاصمته الحديثة المصممة على طرز نمساوية وفرنسية وإيطالية، وهى وإن كانت لا تخلو من جمال، فإننى أراها تقليدا، ككل مشروع الحداثة العربى، لم تصل إلى جمال روما وباريس التين كانت تصبو إليهما، ولم تبق على جمال القاهرة الفاطمية والمملوكية العالى. وهذه القاهرة واقعة فى الوسط، تاريخا وجغرافيا، فهى إلى الغرب من القاهرة الفاطمية، وهى إلى الشرق من أحياء أخرى بنيت على الشاطئ الغربى من النيل فى الجيزة، كانت أكثر غربية، ثقافيا، منها. فإن كان وسط البلد تقليدا لأوروبا كاد ينجح، فأحياء المهندسين والدقى والعجوزة المبنى معظم بيوتها بعد الحرب العالمية الثانية، تقليد بالغ الفشل للولايات المتحدة الأمريكية، بنايات تدعى العملية والحداثة، وهى ليست إلا إهانات من الأسمنت.

ومن القاهرة الأصلية، والخيانتين، أفضل الأولى، هى قاهرة نجيب محفوظ وجمال الغيطانى، وهى قبلهما قاهرة بن نباتة والقاضى الفاضل، وعمارة اليمنى. وهى التى تعاقب على جمالها، فلا يقتصر العقاب هنا على الخيانتين السابقتين، بل يتعداهما إلى إهمال لا يصدق. نعم إن هناك مشاريع فى تلك المنطقة لتجميلها، والعاملون عليها مشكورون مقدرون، ونصف شارع المعز لدين الله الفاطمى، أصبح متحفا مفتوحا يبهر المارين به، ولكن هذا المشروع أخذ من الوقت ما أخذ، ولم يقض من حق المدينة إلا نصف شارع، وبضعة مساجد وبيوت، وفى القاهرة الفاطمية ثم المملوكية منها العشرات بل ربما المئات. وما يسمى بصحراء المماليك، حيث مقابرهم وخوانقهم ومدارسهم تحت القلعة، مدينة كاملة لا يوجد لها مثيل فى العالم. فلماذا لا تتحرك موارد الدولة لتجهيزها كما حدث مع نصف شارع المعز، ثم ماذا عن النصف الآخر.

لقد زرت إسطنبول مرارا وأنا من أشد المعجبين بالمدينة، وإنها تبدو فعلا عاصمة سابقة لإمبراطورية كبرى. وكأننى نسيت أن القاهرة مثلها وسابقة عليها، عاصمة لإمبراطورية مملوكية لم تكن تقل ثراء عن ممالك بنى عثمان، وأنا معذور فى النسيان، فمساجد أسطنبول متاحة لمن أراد، أما مساجد مصر، فالوصول إليها يحتاج أدلة كأدلة الصحارى، والعناية بها واجبة علينا جميعا. ثم أنا أذكر أيام الدراسة الإعدادية، ومواضيع الإنشاء ذاتها، إننا لم نؤخذ إلى أى من تلك المناطق سوى القلعة، قلعة صلاح الدين وهى لا تكفى تعريفا للطلاب بتاريخ بلادهم.

وأظن والله أعلم، أن جمال التاريخ المجسد فى القاهرة الفاطمية مهدد، هو مهدد لمشروع حداثة فشل، نرى فشله حتى فى المعمار، وللاعتراف بفشله مترتبات سياسية وثقافية غير قليلة. وقد شبه الكثيرون من الأدباء حكامنا اليوم بالمماليك، وهم كذلك فى كثير من صفاتهم، إلا أنهم كانوا أصحاب ذائقة على الأقل، والفرق بين مسجد المؤيد ومبنى مجمع التحرير يلخص الكثير.

اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=31082010&id=af5fc562-b947-4931-a818-7fa9dd6b2383