تفاءلوا

الشروق

الثلاثاء 28 سبتمبر 2010 - 10:14 ص

يتفاوض فى واشنطن هذه الأيام عرب وإسرائيليون، بينهم رؤوس دول، لا على مسائل الحل النهائى للقضية الفلسطينية، ولكن يتفاوضون على استمرار المفاوضات ذاتها. فإسرائيل تصر على استئناف استيطانها فى القدس وسائر الضفة الغربية بعد الثلاثين من أيلول سبتمبر الجارى، والعرب يزعمون أنهم مصرون على قطع المفاوضات معها إن هى فعلت. ويسود واشنطن جو من التشاؤم بشأن هذه المفاوضات، وانطباع أكثرية الناس هنا من متخصصين وغيرهم هو أن هذه المفاوضات ستفشل كسابقاتها فى تحقيق أى تقدم يذكر فى الملفات المهمة. وفى العالم العربى يسود انطباع أن واشنطن غير جادة فى هذه المفاوضات كعادتها وأنها تماطل لتكسب إسرائيل وقتا ومستوطنات. وعذر هؤلاء معهم، فإن كنا بعد تسع عشرة سنة من عملية السلام لا نزال فى مرحلة المفاوضات على المفاوضات ذاتها فمن حق الناس أن يتشاءموا بشأن القدس واللاجئين. غير أننى أقول على عكس الانطباع العام إن الإدارة الأمريكية جادة فى سعيها وإن المفاوضات هذه ربما تنجح، ثم أقول إن نجاحها أدعى للتشاؤم من فشلها، وأن المتشائمين المذكورين آنفا المتوقعين فشلها متفائلون مقارنة بيأسنا إذ أرى احتمال نجاحها.

قد يسأل البعض لماذا اندفعت الولايات المتحدة الأمريكية فى أمر هذه المفاوضات المرشحة للخسارة، بينما هى تخسر على ثلاث جبهات أخرى فى الشرق الأوسط الكبير، هى أفغانستان والعراق ولبنان، ولماذا ألزم الرئيس الأمريكى نفسه بمهلة السنة الواحدة يتم فيها التوصل بزعمه إلى اتفاق؟ والإجابة عندى أن خسارات الولايات المتحدة هى التى دفعتها فى اتجاه هذه المفاوضات. فخروج الولايات المتحدة من العراق أضعف نفوذها فى المنطقة وأضعف حلفاءها لصالح تزايد النفوذ الإيرانى، وحديث الحرب القادمة طاغ فى المنطقة، وهى إن قامت وتوسعت، فإن نفوذ إيران ومعسكر الممانعة فى العالم العربى مرشح للازدياد بما لا يبقى معه نفوذ لمعسكر الاعتدال البتة، لأن حديث المفاوضات لن يجد أذنا صاغية والصواريخ تتطاير بين طهران ودمشق وبيروت وتل أبيب، والمقاتلات والقاذفات تعبر الأجواء العربية فى الاتجاهين. كما تدرك الولايات المتحدة أن نتائج حرب كهذه غير مضمونة لصالحها ولا لصالح إسرائيل. حرب كهذه المتوقعة لن تكون حرب جيوش برية ومدرعات، بل ستكون حرب صواريخ إيرانية ضد طائرات إسرائيلية، وأى توسع برى إسرائيلى سيلقى مقاومة تضطره للانسحاب، فتكون الحرب القادمة نسخة موسعة من حربى لبنان وغزة، وإسرائيل لم تجن منهما مكسبا سياسيا يذكر بينما حقق فيها الممانعون إنجازات سياسية وعسكرية.

لذلك يبدو لى أن الإدارة الأمريكية تريد لهذه المفاوضات أن تتم وتنجح ليرسل نجاحها رسالة للعرب مفادها أن الولايات المتحدة وحلفاءها من العرب المسالمين هم القادرون على تحصيل استقلال فلسطينى لا إيران وأنصارها الممانعين. إن نجاحا كهذا يدعم المعتدلين العرب فى بلدانهم وفى الإقليم، ثم إن له مترتبات عسكرية على الأرض أيضا. فبعد أن فشلت إسرائيل فى تغيير الوضع السياسى فى غزة بحربها عام ألفين وثمانية أصبح تغييره مهمة واقعة على عاتق حكومة رام الله. ورام الله لا تستطيع تغيير الوضع هناك وهى حكومة واقعة تحت الاحتلال، وإلا ظهر أنها تقاتل نيابة عنه.أما إن اعطيت استقلالا، فإن غزة تصبح إقليما متمردا على حكومة دولة مستقلة، وهى دولة مستقلة تستطيع أن تتلقى من المساعدات وتعقد من الأحلاف ما يسمح لها «باستعادة» إقليمها المتمرد. نجاح المفاوضات إذن يعنى حربا أهلية فلسطينية أخرى.

وهذا له سوابق، فمنذ عام أربعة وسبعين عندما تبنت منظمة التحرير برنامجها المرحلى، المعروف ببرنامج النقاط العشر، والذى قبل بإنشاء سلطة وطنية فلسطينية على أى شبر يحرر من فلسطين، ممهدا بذلك لحل الدولتين والاعتراف بإسرائيل، أقول منذ ذلك التاريخ ترافقت كل خطوة فلسطينية تجاه السلام مع إسرائيل، مع انشقاق فلسطينى ما، وكلما اتسعت الخطوة السلمية فى اتجاه إسرائيل كلما اتسع الشق بين الفلسطينيين.

ففى عام أربعة وسبعين تكونت جبهة الرفض، ثم عندما طرحت خطة السلام العربية فى مؤتمر القمة العربية فى فاس عام اثنين وثمانين وقبلت عام ثلاثة وثمانين اندلع أول اقتتال بين الفلسطينيين فى طرابلس ولحقته حرب المخيمات، ثم عندما بدأت منظمة التحرير تسعى بجدية نحو المفاوضات وحل الدولتين تأسست حماس، متحدية عمليا الحق الحصرى لمنظمة التحرير فى تمثيل الشعب الفلسطينى لأول مرة منذ عام أربعة وستين.

لذلك فإن اتفاق سلام مع إسرائيل يتبعه إعلان دولة فلسطينية فى أجزاء من الضفة الغربية وغزة قد يؤدى إلى استعادة المعتدلين لغزة، أما إن فشلت هذه المفاوضات، فالعكس مرشح أن يكون، أى أن يخسر المعتدلون الضفة.

والحلقة الفلسطينية هى الحلقة الأضعف فى الحلفين، حلف الممانعين وحلف المعتدلين، فالعراق مستقر شرقا، وسوريا ولبنان على ما عهد الناس من أمريهما، أما فلسطين فالأمر فيها يسير على حد فإما يمينا وإما شمالا.

المفاوضات قد تنجح لأن نجاحها مصلحة أمريكية بحتة، وهو أيضا ضرورة بقاء للطرف الفلسطينى فيها، لأن أصحاب أوسلو الذين أقنعوا الناس بها بقولهم «إذا رفضنا السلم فما البديل؟» سيواجههم الناس بسؤال مماثل «إذا رفضت إسرائيل السلم فما البديل عندكم»، هذا وحده كاف لأن يقبل حاضرو واشنطن من الفلسطينيين اليوم ما رفضوه أمس، وأن يقبلوا غدا ما يرفضونه اليوم. فهم لا يدرون إذا فشلت هذه المفاوضات إلى أى شارع فلسطينى يرجعون، وبأى برنامج، فبدونها لا هم يعودون إلى غزة ولا تبقى لهم الضفة، وإن فى ذلك لدافعا قويا لهم أن يقبلوا ما يعرض عليهم خاصة إذا تمت تسميته باتفاق إطار، تستقل بموجبه الدولة الفلسطينية المذكورة، ثم تستمر المفاوضات عشرين سنة أخرى بشأن القدس واللاجئين. أعنى أن هذه المفاوضات قد تنتج إعلانا كإعلان فبراير عام اثنين وعشرين الذى منحت به بريطانيا مصر استقلالا منقوصا استمرت بعده المفاوضات إلى عام ستة وثلاثين، ولم يخرج البريطانيون من مصر فتستقل فعلا إلا بين عامى أربعة وخمسين وستة وخمسين. ومثل إعلان عام اثنين وعشرين سيكون هذا إعلان استقلال يضمن بقاء الاحتلال ثلاثين سنة أخرى. إلا أن إسرائيل ربما تضيع على نفسها الفرصة وترفض إعلانا كهذا فتضر نفسها وتضر أصدقاءها فى الشرق والغرب، وهذا دأبها، فتفاءلوا.

اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=28092010&id=1fa95b86-8775-48e2-8090-cb4c88af5f02