امنع الكلام: تحية إلى إبراهيم عيسى

الشروق

الثلاثاء 12 أكتوبر 2010 - 10:04 ص

كان مدرسونا فى مدارسنا الابتدائية يصيحون بنا حين نقف فى صفوف تحية العلم الصباحية قائلين: «امنع الكلام»، وكان يقولها المشرفون علينا فى الحصص التى يغيب عنها أستاذها، فيرسلون لنا مشرفا مهمته منع الطلاب من اللعب والصخب حتى تحين الحصة التالية.كانت صيغة العبارة تلفتنى فهم يقولون لك: «امنع الكلام» بدلا من الصيغة الأقرب «لا تتكلم». وكنت ألتفت لصيغة المنع لأنها تفترض أن للكلام إرادة مستقلة خاصة به، فالكلام يجرى كالماء، وعليك أنت أن تتدخل لتمنعه من فعله. أى أن جريان الكلام لا يقتضى فعلا متعمدا بل هو الأصل فى الأمر، أما السكوت فهو الفعل المقتضى الجهد والتعمد، وعلى ذلك فإن العبارة تفترض أن كل سكوت إسكات مقصود.

ولم يكن مدرسونا والمشرفون علينا مهتمين بالتفاصيل، فلا أظن أحدهم فطن إلى ما فى تلك العبارة من معنى، لأنهم لو فطنوا لعلموا أنهم يطلبون منا المستحيل، فعلى أى أساس ننوب نحن عنهم فى إسكات أنفسنا، ومنع الكلام الجارى فى الطبيعة منا لحسابهم، وهم يعلمون علم اليقين أنه لم يكن بيننا من يكن لمعظمهم كبير تقدير. لقد كان أكثر المدرسين باستثناء واحد أو اثنين لا أزال أدين لهما بعلم حقيقى، أقول كان أكثر المدرسين قوة احتلال فاقدة للشرعية، ربما لم يكن أيهما يقرأ أى كتاب خارج الكتب المدرسية.
كان لابد من هذه المقدمة للكلام عن منع إبراهيم عيسى من الكلام. 

إن ما ارتكبه الملاك الجدد لجريدة الدستور من إقصائه عن الجريدة التى كان عمادها جريمة وعار عليهم بالطبع وهم فعلوا ذلك إراحة للحكومة قبل الانتخابات وسترا مبكرا للمتوقع من فضائحها وقد كتب أكثر الناس فى ذلك، وأضرب الصحفيون العاملون بالجريدة فى موقف مشرف لابد من تحيتهم عليه. 

إلا أن غرضى اليوم هو أن أبين المضحك والمتناقض فى هذا القرار، فهو كقولهم: «امنع الكلام». إن إقصاء إبراهيم عيسى كأى قرار من جهة الحاكم لا يتحقق إلا بأيدى المحكومين، فإبراهيم عيسى لن يقصى إلا إذا أقصيناه نحن. إن كانوا منعوه من جريدته فكل جرائد البلد الشريفة لابد أن تفتح أبوابها له، وإن منعوا منه المحطات التليفزيونية المصرية فكل المحطات العربية التى تصل مصر لابد أن تفتح له وإلا فنحن الذين نقصيه ونحن الذين نمنع الكلام الجارى كالماء نيابة عن حاكمينا وظالمينا. 

إن إبراهيم عيسى مشهود له بتغيير لغة الصحافة فى مصر الجمهورية ليدخل فى باب النقد والتهكم كل حاكم كبر أو صغر، وقبله ما فعل ذلك فى مصر الملكية بيرم التونسى، وهو القائل فى السلطان فؤاد عندما غير الاحتلال البريطانى صفته إلى ملك علامة على استقلال اسمى لمصر بعد ثورة 1919: ولما عدمنا فى مصر الملوك/ جابوك الانجليز يا فؤاد قعدوك/ تمثل على العرش دور الملوك/ وفين يلقوا مجرم نظيرك ودون/ وخلوك تخالط بنات البلاد/ على شرط تقطع رقاب العباد/ وتنسى زمان وقفتك يا فؤاد/ على البنك تشحت شوية زتون/ بذلنا ولسه بنبذل نفوس/ وقلنا عسى الله يزول الكابوس/ ما شفنا إلا عرشك يا تيس التيوس/ لا مصر استقلت ولا يحزنون.
وقد نفى بيرم التونسى عن مصر ومنع عن النشر فيها سنين طوالا وقصة نفيه معروفة، إلا أن أكثر الناس لا يحفظون شعرا قيل فى فؤاد أكثر من الأبيات السابقة، على أن ما قيل فيه كثير. وما كانت حيلة بيرم إلا الوزن والقافية يحملان شعره بين الناس، أما اليوم فوسائل الاتصال لا حد لها وكل ما يقال يسمع وكل ما يكتب يقرأ وتتسع دائرة التلقى حسب حاجة الناس للقول، وحاجتنا من ذلك لا تنقضى. 

أكرر دعوتى لكل الصحف الشريفة والقنوات الفضائية أن يكون إبراهيم عيسى على صفحاتها وشاشاتها، لا منة عليه ولا حتى تضامنا معه، بل دفاع عن أنفسنا ووقاية لها من أن تخدع فنطيع من لا نريد طاعته ظانين أنه الفاعل ولا فاعل سوانا. 

إن الكلام يسير بنفسه، ويصيح بنا الحكام أن امنعوه لأنهم لا يستطيعون منعه بدوننا، فإن منعناه فلا نلومن إلا أنفسنا، والبغى محيط بأهله، فسيعلم الذين ظلموا إبراهيم عيسى أنهم أطلقوا من الكلام ما لا يقدرون على منعه بعد.

اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=12102010&id=f56321fd-9340-448e-b0f5-1121fd66f56c