عن السمك ولسانه

الشروق

السبت 13 نوفمبر 2010 - 9:43 ص

يترسخ عندى مع مرور الوقت انطباع أن الطغاة جنس واحد متناسخ يشبه بعضهم بعضا، وتتماهى ردود أفعالهم كالسمك فكلهم يخنقه الهواء الذى نتنفسه، ويحبون أن يعيشوا فى مكان نختنق نحن فيه، وكلهم عيونهم على جنوب رءوسهم لا ينظرون للأمام، بل لأعدائهم من اليمين واليسار، وكلهم كثير النسل من غير ولده، تضع السمكة بيضا ولا زوج لها، ثم يلقح الذكر البيض، فالبيض ليس له إنما يصير له، كالبرىء يأخذه حزب حاكم فيضعه فى صفوف من أمثاله فى كراتين ويمر عليهم الطاغى مرورا فتبهرهم سلطته وزعانفه، والزعنفة فى اللغة التابع، فيكبرون ليشبهوه، وقد يأكل الطاغى بعضهم، وقد يأكله بعضهم، ولهم جميعا نفس الرائحة.

أقول إن الذى كان من أمر حرس الجامعة ووزارة الداخلية المصرية مع بعض الأساتذة الجامعيين من اعتراض البلطجية لهم والتعدى عليهم فى ساحات الجامعة هو من المضحك المبكى الذى ذكره أبوالطيب فى وصفه لبلادنا العزيزة. فالحرس، ورئيس الجامعة يؤيده، يزعم أن الأساتذة، ومنهم الطبيب الجليل عبدالجليل مصطفى، لا حق لهم فى دخول الجامعة وأنهم هم الطرف الملوم فى واقعة تعدى بعض المدفوعين من الأمن عليهم. فالحرس والرئيس يريان أن الأساتذة غرباء فى الجامعة وأن عليه أن يحرر الجامعة من أساتذتها.

وعملا بمبدأ تشابه الطغاة فإن ما حدث ذكرنى بمنطق الاحتلال الأمريكى فى العراق عام ألفين وأربعة، ففى ربيع ذاك العام اندلعت اشتباكات بين مقاومين عراقيين فى النجف وكربلاء وبين قوات الاحتلال الأمريكى.
وحاصرت القوات الأمريكية مرقد الإمام على بن أبى طالب وهددت بدخوله، وكان خطاب الأمريكيين يومئذ أنهم يقاتلون مندسين سوريين وإيرانيين، وأنهم داخلون إلى مرقد على ليحرروه من «الأجانب». فالمراهقون الشقر من تكساس وأركنساس وأيداهو وداكوتا وبلاد الوعل المقرّن والجاموس المشعر يريدون تحرير مرقد على من العرب والفرس لأنهم أجانب فيه.

وقبلهم ما روى إميل حبيبى (رحمه الله) عن رجل من بلدة صفورية فى الجليل بفلسطين يدعى أبا أحمد، أنه تسلل إلى منزله بعد كارثة عام ثمانية وأربعين، فوجد فيه يهوديا رومانيا قد أخذه، فسأله أبو أحمد من أين أنت يا خواجا، فقال اليهودى أنا من هنا من صفورية، فقال له الشيخ، تشرفنا، وأنا أبو أحمد... من رومانيا.

أيها الناس كيف تحكمون، حرس يرى الجامعة له لا للأساتذة، ووزير يهدد الطلاب بقطع ألسنتهم إن هم تكلموا فى السياسة، وحكام مؤبدون، بل المؤبد خمس وعشرون سنة، وحكامنا لا يقبلون بأقل من الثلاثين لكى نتربى.
وأنا تخرجت فى كلية العلوم السياسية فى جامعة القاهرة، وأشهد أنها كانت على أيامى أفضل حالا، فهل على اليوم أن أخشى على ألسنة زملائى. ثم أليست كلية السياسة هى التى يخرج فيها سفراؤكم وأمناؤكم وكثيرون من الحكام بالجملة يا صاحب المعالى، فهل ستقطع ألسنتهم هم أيضا، أم ستعين لجنة لتفحص الألسنة، وهل تفحصون طول اللسان أم عرضه، فإن كانت العلة فى الطول، فإنى أذكر وزيرا سابقا للداخلية لم يدع سياسيا فى البلد إلا وسبه سبابا مقذعا، ونشرت جريدة الوفد يومها سبابه فخسر وزارته. فإن كنتم أولى منا بالجامعة وبالسياسة وبطول اللسان والسباب فهنيئا لكم. عيونكم علينا يمينا ويسارا ولا تنظرون لأنفسكم ولا ترون السد الذى تسيرون إليه حثيثا لتنطحوه نطح وعل الأعشى صخرته.

أقول أمامكم سد لأن استراتيجياتكم المضحكة، أيها الحكام، هدفها إبقاؤكم فى الحكم، وهى ستنجح، ستنتصر وزارة الداخلية وبلطجيوها على الأساتذة والأطباء والكتاب، ولكن ماذا بعد؟ ستحكمون ثلاثين سنة أخرى، ثم ماذا؟ إلى أين ستأخذون البلد بعد ثلاثين أخرى من هذا الحكم أو من هذه الحكمة، هل التعليم اليوم خير منه قبل ثلاثة عقود؟ إن كان خيرا منه قبل ثلاثة عقود فطلاب اليوم لا بد خير منكم فكيف تهددونهم بقطع ألسنتهم، وإن كانوا يستحقون قطع ألسنتهم فهى شهادة عليكم أنكم خربتم التعليم ثلاثين سنة. هل الطب اليوم خير فى بلادنا منه قبل ثلاثة عقود؟ هل قدرتنا على صد غزو خارجى اليوم خير منها قبل ثلاثة عقود؟ فلماذا إذن كلما طلبنا منكم أن تفتحوا معبرا ليطعم الجوعى المحاصرين خوفتمونا بالحرب، ولم تكونوا تخافونها قبل ثلاثين سنة أو يزيد وقد حاربتم فعلا؟ أيخاف الحرب من قوى بعدها أم من ضعف؟
احكموها ثلاثين سنة أخرى، وليكن بلدا خالصا للبلطجية، واملئوها بالسمك الذى يشبهكم فإنه عاجلا أم آجلا، بعد أن يأكلنا، سيأكلكم أنتم

اقرأ المزيد هنا:http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=13112010&id=e7e6125c-077c-4e6d-841f-3cf5effe6e43